الرأي

القصيبي والجزائري، صراع المدرستين!

علي المطوع
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالكثير من الاستنكار والتعقيب، على ما جاء في ليوان المديفر وضيفه معالي وزير الصحة السابق الدكتور حسين الجزائري، عندما ذكر الضيف أن غازي القصيبي قد فشل في وزارة الصحة، وأن ظروف تولي القصيبي لوزارة الصحة وملابساتها، تختلف كليا عن رواية القصيبي نفسه التي ذكرها في كتابه الشهير حياة في الإدارة!القصيبي شخصية سعودية اعتبارية مثقفة، ما زالت راسخة في الذاكرة الجمعية للسعوديين نخبا وعوام، والسبب يعود إلى مواهبه الأساسية التي طغت على مسؤولياته التي تسنمها، إضافة إلى الصبغة الأكاديمية التي اكتسبها من خلال عمله كأستاذ في جامعة الملك سعود، هذا منحه أرضية صلبة للانطلاق إلى مجالات أرحب وأوسع مكنته لاحقا من بناء علامة إدارية ناصعة باسمه ورسمه.صفة أخرى في القصيبي وهي قدرته على استشراف المستقبل من خلال رؤيته الجامعة للأشياء، والتي ساهمت لاحقا في سلسلة نجاحاته في جل مهامه الإدارية التي تسنمها، هذا الجانب الاستشرافي اكتسبه من تجاربه المبكرة التي صقلته، فكانت سره الذي مكنه لفهم الواقعين الإداري والاجتماعي في المملكة وطريقة التعاطي معهما، من خلال رحلة صعوده المبكرة من الجامعة إلى الوزارة مرورا بالسفارة في أكثر من بلد.تجربته في وزارة الصحة كانت من أكثر التجارب الإدارية إثارة، والتي كانت محور تماس مباشر مع الدكتور الجزائري في حواره الأخير مع المديفر، وهذا مرده إلى أسباب لم تكن شخصية بالتأكيد، بقدر ما كانت خلافا بين مفهومين رئيسين أو مدرستين إن شئت أن تسميهما، كانا وما زالا في القطاع الصحي ومنظوماته المختلفة، هذان المفهومان يتمثلان في التباين الواضح بين الطبيب المدير والإداري المدير؛ عندما يتصديان لمهام إدارية في المرافق الصحية التي تجمعهما، بدءا من المستوصفات مرورا بالمجمعات الصحية وإداراتها الإشرافية وصولا إلى المناصب العليا في تلك المنظومات.القصيبي يمثل الإداري المدير والجزائري يمثل الطبيب المدير، الأول له نظرة شمولية ترى أن الطبيب وإن كان الأهم ضمن طاقم الكوادر الصحية، إلا أنه يظل مهما علا شأنه ترسا يساهم في دوران تلك العجلة الصحية لتنتج وتستمر، في المقابل، الطبيب في تجربته الإدارية ينحاز لأهليته وتعليمه العالي، قياسا بالكوادر الإدارية الصحية الأخرى التي تشاطره المكان والزمان ذاتهما، فيرى في نفسه الدربة والدراية في قيادة المنظومة الصحية، من هنا يحصل التباين النفسي قبل العملي بين هاتين الفئتين، هذا التباين إذا اتسع خلافا واختلافا فإنه يلقي بظله على أداء المنظومة الصحية، وينعكس سلبا على مخرجاتها الخدمية، ويؤجج صراعا مستترا بين الإداري والطبيب يكون ضحيته المريض.الجزائري الطبيب في حكمه على تجربة القصيبي الإدارية ينطلق من المفهوم ذاته، كونه طبيبا، وهذا يفترض في نهجه ومدرسته التجاربية أن يكون الطبيب أولا، لذلك فتجربة القصيبي الشخصية وكل قصيبي إداري يتسنم موقعا قياديا في المنظومات الصحية حكمهما المسبق عند الطبيب المدير هو الفشل!التجارب الصحية السابقة تؤكد أن المرحلة القادمة من تجاربنا الصحية قد تستدعي إعادة أغلب الأطباء إلى عياداتهم ومرضاهم ليمارسوا دورهم كأطباء فقط، أما الإداريون فوجودهم في الأماكن المخصصة لهم فيه ضمان لاستقامة المنظومة الصحية والحفاظ على توازنها كي تستطيع تأدية رسالتها الإنسانية على أكمل وجه.أما السؤال المهم، من يستطيع أن يقود المنظومات الصحية بكفاءة عالية في قادم الأيام؟ الجواب يكمن ويكون عند المتخصصين في الإدارات الصحية، الذين يملكون الفهم والإدراك والنظرة الشمولية لإعادة ضبط الواقع الصحي ومنظوماته، من خلال تطبيق التجارب الصحية المتقدمة، والإيمان بالتخصص كوسيلة ناجحة لرفع مستوى المنظومة الصحية، وإعادة رسم سياساتها بما يتوافق مع مؤشرات الأداء الصحيحة ورضا المريض.بقي شيء أخير وقد يكون الأهم في هذه المساحة، إن الخلاف أو الاختلاف حول تجربة غازي القصيبي في وزارة الصحة - تحديدا - ليس خلافا على رجل بقدر ما هو اختلاف قديم بين مدرستين: مدرسة الطبيب المدير ومدرسة الإداري المدير، فالجزائري بأولوياته الصحية كطبيب ومدير ووزير، والقصيبي بأسبقيته في المساهمة في رسم واقعنا التنموي الجميل، كلا الرجلين لهما الحب والتقدير، وبصماتهما العملية تعكس سيرة رجلين استثنائيين جمعتهما مرحلة معينة من حراكنا التنموي، فترسخت ذكراهما العطرة في واقعنا الحياتي المديد، ليكونا بعد هذه المرحلة الطويلة من تجاربنا الإدارية والإنسانية، محور اختلاف بين الناس وليس خلافا، وهذا يعكس شيئا من أسبقية وسبق الجزائري الطبيب، وفرادة القصيبي الإداري المحنك الجريء والجدير.alaseery2@