الرأي

الحرب والسياسة ومعنى النصر من كلاوزفيتز إلى كيسنجر: حين تعرف السياسة نتائج الحرب

تركي القبلان
ليست الحرب في جوهرها العميق مجرد انفجار للعنف أو اختبار لقدرة الجيوش على التدمير، لكنها قبل كل شيء امتحان للسياسة نفسها: لمدى قدرتها على تعريف الهدف، وضبط الوسيلة، وتحديد معنى النصر، ومنع القوة من أن تتحول من أداة في يد القرار إلى قوة عمياء تبتلع القرار. ومن هنا تظل مقولتا كلاوزفيتز وكيسنجر من أكثر المقولات كثافة في تفسير العلاقة بين القوة والسياسة؛ فالأولى تؤسس المعنى، والثانية تكشف إحدى تجلياته الأكثر قسوة في الحروب غير المتكافئة. وإذا بدا أنهما تنتميان إلى سياقين مختلفين فإن الحقيقة أنهما تصبان في مجرى واحد: الحرب لا تفهم من داخل الميدان وحده بل من داخل الغاية السياسية التي تمنح الميدان معناه، وتحدد ما إذا كان ما جرى انتصارا حقيقيا أم مجرد خراب واسع النطاق.وكلاوزفيتز لم يكن يحتاج إلى الحرب لكي يفهمها إنما كان يحتاج إلى السياسة. حين قال إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لم يكن يضفي عليها شرعية أخلاقية ولا كان يحتفي بالعنف بوصفه قدرا تاريخيا، بل كان يقرر حقيقة بنيوية: أن الحرب ليست انقطاعا عن السياسة إنما هي امتداد متطرف لها حين تعجز الأدوات الأخرى عن تحقيق الغرض. معنى ذلك أن الحرب لا تستمد قيمتها من ذاتها بل من علاقتها بهدف سياسي سابق عليها وموجه لها.فالتفوق العسكري ليس نصرا في ذاته ما لم يترجم إلى نتيجة سياسية قابلة للتحقق والبقاء. وهذا هو بيت الفكرة: النصر العسكري الذي لا يخدم هدفا سياسيا واضحا ليس نصرا كاملا بل قد يكون شكلا مؤجلا من أشكال الهزيمة.إن الخداع الأكبر في الحروب يبدأ عندما تظن الدول أن السيطرة على الميدان تكفي وحدها لصناعة التاريخ. فقد تربح جيشا وتخسر سياسة، وقد تسقط موقعا وتفشل في بناء نتيجة، وقد تدمر قدرات خصمك دون أن تتمكن من كسر إرادته أو فرض شكل النهاية التي تريدها. عند تلك اللحظة ينكشف الفارق بين من يفهم الحرب كأداة محددة الوظيفة ومن يقع أسيرا لسحر القوة الخام. ولذلك فإن السؤال الحاسم في أي صراع ليس: من دمر أكثر؟ بل: من استطاع أن يحول ما فعله عسكريا إلى مكسب سياسي مستقر؟ هنا بالضبط ينتقل التحليل من الضجيج العسكري إلى العقل الاستراتيجي، ومن إحصاء الخسائر إلى فحص المعنى.في هذا الموضع تدخل مقولة كيسنجر لا بوصفها نقضا لكلاوزفيتز لكن بوصفها كشفا دقيقا لأحد تطبيقاته في الحروب غير المتماثلة. ما يمنح هذه المقولة ثقلها الاستثنائي هو السياق الذي ولدت فيه: صاغها كيسنجر وهو يدير حرب فيتنام، ويشهد بأم عينه كيف أن آلة تدمير لا نظير لها عجزت عن إنتاج نهاية سياسية قابلة للادعاء. جاءت المقولة إذًا تشخيصا لواقع لا تنظيرا، بمعنى اعترافا صادرا من داخل الهزيمة. فحين يقال إن الطرف الأضعف ينتصر إذا لم يهزم بينما الطرف الأقوى يخسر إذا لم ينتصر، نصبح أمام قانون سياسي شديد القسوة يحكم حروب الاستنزاف والمواجهات الطويلة. ذلك أن الطرف الأقوى يدخل الحرب مثقلا بتوقعات الحسم، ومطالبا بإنتاج نتيجة واضحة وصورة انتصار صريحة، قادرا على إقناع جمهوره أن الكلفة التي دفعها كانت مبررة. أما الطرف الأضعف فلا يحتاج في الغالب إلى هذا كله؛ يكفيه أن يبقى، وأن يصمد، وأن يمنع خصمه من الحصول على النتيجة التي من أجلها خاض الحرب.ولذلك كل يوم يمر بلا حسم واضح يرفع الكلفة، ويضاعف الشكوك في جدوى الحرب، ويستنزف الشرعية الداخلية، ويكشف الفجوة بين القدرة على الفعل والقدرة على الإنجاز. أما الطرف الأضعف فإنه يستثمر هذه الفجوة تحديدا. إنه لا ينافس خصمه في ميدان التدمير بل ينافسه في ميدان الإرادة والوقت وتعريف النهاية. وما دام الخصم عاجزا عن الوصول إلى صورة نصره فإن مجرد الاستمرار يتحول إلى رسالة سياسية تقول إن التفوق العسكري لا يكفي دائما لكسر المعنى الذي يقاتل به الطرف الأضعف. وكانت فيتنام، وقبلها الجزائر، وبعدها أفغانستان، أكثر من مثال يثبت أن آلة التدمير وحدها لا تنتج نهاية سياسية قابلة للادعاء.وهنا تظهر إحدى أعقد مفارقات الحرب الحديثة: أن التفوق العسكري الساحق لا يضمن بالضرورة نصرا سياسيا حاسما، بل قد يزيد المأزق تعقيدا إذا كان الهدف السياسي غامضا أو متضخما أو غير قابل للتحقق بالوسائل المستخدمة. فالخلل في الحروب المعاصرة لا يكمن فقط في اختلال موازين القوة بل أيضا في اختلال العلاقة بين الوسيلة والغاية. كثير من الدول تدخل الحرب وهي تملك أدوات تدمير هائلة لكنها لا تملك تعريفا متماسكا للنهاية، أو تدخلها بأهداف قصوى ثم تكتشف أن كلفة الوصول إليها تتجاوز ما تحتمله السياسة. وعند ذلك تبدأ الحرب في الانفصال عن هدفها الأول وتتحول شيئا فشيئا إلى حالة قائمة بذاتها، تتكاثر داخلها المبررات وتضيع فيها الحدود بين الضرورة والعادة وبين الاستراتيجية والانفعال.هذه هي اللحظة التي ينبغي التوقف عندها طويلا: حين لا تعود الحرب استمرارا منضبطا للسياسة بل تصبح السياسة نفسها استمرارا للحرب. أي حين يفقد القرار السياسي سيادته على العنف، ويصبح دوره مقتصرا على إدارة تداعياته وتبرير توسعه والتكيف مع منطقه الداخلي. هنا تنقلب المعادلة كلها بدل أن تكون الحرب أداة محدودة لخدمة غرض سياسي، يصبح الغرض السياسي نفسه تابعا للحرب، يلهث وراءها ويعيد تعريف نفسه وفق إيقاعها ومتطلباتها. وهذه من أخطر اللحظات في تاريخ الصراعات لأن العنف عندها لا يعود وسيلة فحسب بل يصبح بنية مهيمنة على الخيال السياسي، تضعف إمكانات التفاوض وتقصي الحلول الوسط وتجعل التراجع يبدو هزيمة والتعقل يبدو ضعفا والاستمرار في الاستنزاف يبدو وكأنه الخيار الوحيد المتاح.ومن هنا فإن القراءة العميقة لمقولتي كلاوزفيتز وكيسنجر لا تدفعنا إلى تمجيد الحرب بل إلى الحذر من غواية القوة غير المؤطرة سياسيا. ومن هنا فإن الدولة التي تدخل الحرب دون هدف واقعي، أو دون تصور دقيق لما يمكن تحقيقه وما لا يمكن تحقيقه، إنما تمنح قرار الحرب الأجوف فرصة التمدد خارج السيطرة، والطرف الذي يخلط بين القدرة على الضرب والقدرة على الحسم سرعان ما يجد نفسه أمام مفارقة متعبة: لقد امتلك كل أدوات القوة لكنه عجز عن إنتاج نهاية لصالحه. وفي المقابل قد يظهر الطرف الأضعف رغم خسائره الفادحة، في صورة من انتصر سياسيا لأنه أفشل خصمه في ترجمة تفوقه إلى نتيجة نهائية.لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الحروب المعاصرة بعين المحاسب العسكري وحده بل بعين الفيلسوف السياسي أيضا، فالأرقام مهما كثرت لا تقول الحقيقة كاملة. وقدرة التدمير مهما اتسعت لا تمنح وحدها حق ادعاء النصر. المعيار الأعمق هو: من الذي اقترب من غايته السياسية؟ من الذي جعل خصمه يدفع أكثر مما يستطيع أن يبرره سياسيا؟ وفي المحصلة فإن كلاوزفيتز يذكرنا بأن الحرب دون غاية سياسية واضحة تتحول إلى عنف أجوف، وكيسنجر يذكرنا بأن هذه الغاية لا تقاس بمعيار واحد عند جميع الأطراف. القوي لا يكفيه أن يضرب؛ عليه أن يحسم وأن يترجم تفوقه إلى نتيجة قابلة للعرض والدفاع والاستمرار. أما الضعيف فقد لا يحتاج إلى أكثر من منع هذا الحسم وتحويل الزمن إلى حليف والصمود إلى معنى.إن أخطر ما في الحرب ليس فقط أن تهزم فيها لكن أن تنتصر فيها عسكريا ثم تكتشف أن انتصارك لم ينتج مشهدا أقرب إلى أهدافك، ولا واقعا أكثر قابلية للإدارة. عندها يتحول النصر إلى مأزق وتتحول القوة إلى عبء ويتحول الميدان بكل ما فيه من تفوق إلى دليل على قصور السياسة لا على نجاحها وفي المقابل لا يصبح الطرف الأضعف رابحا لأنه صار أقوى ناريا بل لأنه أدرك ما يغفل عنه كثيرون: السياسة لا تطلب دائما انتصارا كاملا؛ أحيانا يكفيها فقط أن تمنع الخصم من الوصول إلى انتصاره. وهذا هو الدرس الأقسى في تاريخ الحروب: أن السياسة لا تسأل دائما عما أنجزته، بل عما منعت خصمها من إنجازه. وحين يصبح المنع هو الإنجاز تكون المعادلة قد انقلبت: القوي يخسر لأنه لم يكسب، والضعيف يكسب لأنه لم يهزم.TurkiGoblan@