كل شيء.. أو لا شيء
السبت / 25 / رمضان / 1447 هـ - 23:53 - السبت 14 مارس 2026 23:53
هناك قاعدة في علم وظائف الأعضاء اسمها قاعدة 'كل شيء، أو لا شيء' All or none rule، وهي تعني أنه عند تحفيز عصب أو عضلة في الجسم، إما أن تكون الاستجابة كاملة، أو لا تكون هناك استجابة على الإطلاق.
وهذا المبدأ 'كل شيء، أو لا شيء' هو أيضا مبدأ فكري يتبناه البعض في حياتهم الخاصة، كما يتبناه البعض في مجال السياسة. ولو نظرنا إلى ما تسعى إسرائيل لتحقيقه حاليا لوجدنا أنه يشمل: محاولة تدمير إيران - كما ظل نتانياهو ينادي لأربعين عاما - والعمل على إعادة احتلال غزة وإفراغها من سكانها، واستكمال استيطان الضفة الغربية تمهيدا لتفريغها، واحتلال جنوب سوريا (بالتحالف مع الدروز) وجنوب لبنان، والهيمنة على مناطق كردية في سوريا: خاصة مناطق دير الزور والبوكمال في شرق سوريا اللتين لهما تأثير على منطقة الأنبار في العراق، وبالتالي الهيمنة الإسرائيلية على غرب العراق، وذلك - مع وجود نوع من الشراكة الاستراتيجية (غير رسمية) ما بين إسرائيل وكردستان العراق - يعني الوصول إلى إيران.
والوصول إلى مناطق الأكراد شمال سوريا، ما يعني وصول إسرائيل إلى جنوب تركيا.
كل ذلك تعمل إسرائيل على إنجازه 'دفعة واحدة'.
وهو ما وصفه نتانياهو بأنه 'إعادة رسم الخرائط'، وبتعبير أدق: تدمير المنطقة 'دفعة واحدة'.
وفي حال ما إذا نجحت إسرائيل في مسعاها فإنها لن تكتفي بذلك ولن تقف عند هذا الحد، لأن كل ما سبق ما هو سوى مقدمة ضرورية لاستكمال 'إسرائيل الكبرى' في مرحلة تالية، أي مخطط 'من النيل إلى الفرات' الذي تعمل إسرائيل على تحقيقه حسب الرؤية الصهيونية.
ولا بد هنا من سؤالين:
السؤال الأول: هل عند إسرائيل القدرة على تحقيق كل ذلك الدمار 'دفعة واحدة'؟
والإجابة الواضحة: أنه ليس عند إسرائيل القدرة على تحقيق كل ذلك 'دفعة واحدة'.
والسؤال الثاني: إذا لم تكن عندها القدرة، فكيف تطمح إلى تحقيق ذلك؟
والإجابة السريعة - أو البديهية - هي أن إسرائيل تعتمد على تحريك أمريكا: سواء عن طريق دفع السياسيين الذين سبق أن مولتهم وأقنعتهم أن دعم إسرائيل يصب في مصلحتهم الشخصية، أو استغلال الجماعات الصهيونية المسيحية، أو اللجوء إلى الضغط الإعلامي، أو حتى عن طريق ابتزاز الشخصيات القيادية، كل ذلك حتى تقوم أمريكا بالحروب نيابة عن إسرائيل، بينما تقوم أمريكا بتغطية إسرائيل دبلوماسيا واقتصاديا في سبيل تحقيق أهدافها.
لكن الوسيلة الأساسية التي مكنت إسرائيل من استغلال أمريكا - وغير أمريكا - وتحقيق كل ما أنجزته من أهداف، هي 'الخداع': سواء كان خداع أمريكا أو خداع العرب أو خداع العالم الغربي، أو حتى خداع الجاليات اليهودية حول العالم.
أما خداع أمريكا: فبالدعاية المعروفة بأن إسرائيل هي 'الديمقراطية الوحيدة' في المنطقة، وأن إسرائيل امتداد للنفوذ الأمريكي، وأن المشروع الإسرائيلي هو في جوهره 'مشروع أمريكي'، وأن إسرائيل أقرب حليف لأمريكا، إلخ. مع ابتزاز العامة نفسيا و'أدبيا' عن طريق روايات المحرقة holocaust، وابتزازهم 'قانونيا' عن طريق القوانين التي يصدرها نواب تتحكم بهم إسرائيل، وهي قوانين تمنع أي انتقاد لإسرائيل باعتباره 'معاداة للسامية'.
مع السيطرة الإعلامية على فكر الشعب الأمريكي، والادعاء بوجود أسلحة دمار شامل، أو الإشارة إلى أعمال إرهابية مثل 11 سبتمبر 2001، لتخويف الناس من العرب والمسلمين.
ولا ننسى أنه - فوق كل ذلك - هناك ابتزاز مكشوف لقيادات أمريكا عن طريق الفضائح.
وفي النهاية - عندما تحقق إسرائيل أهدافها - فإنها سوف تطرد أمريكا من المنطقة. فالمشروع الصهيوني للسيطرة على المنطقة لا يتحقق مع بقاء أمريكا قوة مهيمنة على المنطقة.
أما خداع العرب: فلا يقل أهمية عن خداع أمريكا، بل ربما هو الأهم من خداع أمريكا، ونحن نرى الدول العربية منذ عقود وهي تنتقل من السقوط في فخ قديم إلى السقوط في فخ جديد، مرة عن طريق إحياء الصراعات الإقليمية والبينية وإشعالها، وأخرى عن طريق إشعال الخلافات الدينية والمذهبية والتاريخية، أو تخويف الجيران من بعضهم بعضا، أو غير ذلك، وقد شهدنا استدراج دول المنطقة واحدة تلو الأخرى في صراعات داخلية وخارجية، وفتن دينية حتى انتشر التطرف ووصلنا إلى داعش، وكيف تم الابتزاز الإعلامي للدول العربية والإسلامية عن طريق الاعلام الدولي، إلخ.
وخداع العالم الغربي: هو ما يتم أساسا عن طريق الإعلام الدولي، مرة أخرى عن طريق الادعاء أن إسرائيل هي 'الديمقراطية الوحيدة' في المنطقة، وأن إسرائيل امتداد للنفوذ الغربي وأنها تمثل 'الحضارة الغربية'، مع تخويف الناس من انتقاد إسرائيل باعتباره 'معاداة للسامية'، والروايات عن المحرقة holocaust والسيطرة الإعلامية على الشعوب الغربية، وابتزاز قيادات الغرب عن طريق الفضائح، والتخويف المستمر من العرب والإسلام والمسلمين، خاصة عن طريق الأعمال الإرهابية كما حصل في لندن ومدريد وباريس وغيرها.
فهناك منظومة متكاملة للخداع تمارسه إسرائيل على أمريكا وعلى العرب وعلى العالم الغربي عموما، وكما تخدع إسرائيل كل هؤلاء، فإنها تخدع بقية العالم.
وقد صدرت عدة كتب تبين كيفية استعمال إسرائيل للمؤامرات والفتن والدسائس والأكاذيب وغيرها من وسائل الخداع لتحقيق أهدافها: بعضها كتب تتكلم عن أحداث وحقائق، مثل كتاب بعنوان: 'عن طريق الخداع' By Way of Deception، وهو كتاب عنوانه مقتبس من شعار جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية 'الموساد'، والكتاب من تأليف فيكتور أستروفسكي Victor Ostrovsky وهو عميل موساد سابق يصف في كتابه طبيعة جهاز الموساد وأساليبه... وقد حاولت إسرائيل منع نشر هذا الكتاب.
وبعضها الآخر كتب تلجأ إلى صياغة الفكرة في قالب قصة، حتى يمكن للكاتب أن يقول ما لا يستطيع قوله في قالب واقعي، مثل كتاب 'بوابة العقرب' The Scorpion’s Gate، الذي صدر عام 2005، وهو كتاب في صياغة قصة عن كيفية إشعال الحرب ما بين السعودية وإيران، وتبدأ بتفجير ناقلة للغاز المسال في قطر، ويتم استغلال الهجوم على الطاقة لتغيير خريطة المنطقة! ومؤلف الكتاب ريتشارد كلارك Richard Clarke عميل سابق للمخابرات الأمريكية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة هامة: إسرائيل قد بلغت بها الثقة بالنفس أنها تريد 'كل شيء' دفعة واحدة، معتمدة على دعم أمريكي غير مسبوق.
إلا أن محاولة الحصول على 'كل شيء' دفعة واحدة تجعل احتمال الفشل أكبر بكثير من محاولة تحقيق الأهداف بالتدريج... كما تفعل إسرائيل عادة.
وفشل إسرائيل في 'كل شيء' دفعة واحدة، يعني أنها سوف تحصل على 'لا شيء'، ما سوف يكون ضربة هائلة بالنسبة لها... ترجعها إلى الوراء بدلا من أن تدفعها إلى الأمام.
من ناحية أخرى فإن هذه الحرب تزداد خطورتها كلما ازداد التصعيد: وقد بدأت أمريكا بأسلوب التخويف والوعيد، وحشدت أساطيلها وقواتها الجوية لتهديد إيران، وعندما لم ينجح ذلك عمدت إلى أسلوب 'قطع رأس القيادة decapitation' منذ أول يوم في الحرب، وعندما لم ينجح ذلك طرحت فكرة تسليح الأكراد ما قد يؤدي إلى تهديد عدد من دول المنطقة، كما طرحت فكرة مرافقة البحرية الأمريكية للسفن في مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى عواقب غير محسوبة، ولا يستبعد إنزال أمريكا قواتها بريا، وإن لم ينجح ذلك، فماذا سوف يتبعه؟
فلا يبدو أن هناك استراتيجية واضحة لحرب بهذه الخطورة!
وهي حرب محفوفة بالمخاطر واحتمالات الفشل لجميع الأطراف، لأنها في النهاية حرب إسرائيلية: ولا يهم إسرائيل ماذا يصيب المنطقة من كوارث ولا حتى ما يصيب أمريكا حليفتها.
وقد أدى توقف إنتاج الغاز المسال في قطر إلى ارتفاع سعر الغاز الطبيعي 50% في أيام، وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع سعر النفط من 72 دولارا للبرميل حتى تخطى حاجز 115 دولارا، فماذا سوف يحدث عندما تنبض خزانات النفط العائمة حول العالم؟
وقد قصفت إسرائيل خزانات النفط، ردت إيران بقصف مصفاة نفط حيفا.
فماذا سوف يحدث إذا تحولت الحرب إلى مصافي النفط؟
كما تضاعف سعر التأمين على النقل البحري - خاصة التأمين على ناقلات النفط - من 0.25% إلى 3% من قيمة السفينة، وارتفعت أسعار الشحن وسلاسل التوريد ولا بد من ارتفاع أسعار السلع، إلخ. فماذا سوف يكون التأثير على الاقتصاد العالمي إذا طال إغلاق مضيق هرمز؟
أما من الناحية العسكرية: فماذا سوف يحدث إذا حاولت الولايات المتحدة مرافقة السفن العابرة للمضيق وتم إغراق سفن حربية أمريكية؟
أو إذا أغرقت حاملة طائرات تحمل آلاف الجنود؟ أو تم إنزال جنود أمريكا على أرض إيران؟
أو إذا فشل الإنزال، فماذا بعد ذلك؟
وماذا لو تم توريط العرب للمشاركة في حرب لا تخصهم، وهم رافضون لها منذ البداية؟
وهذه الحرب لا بد لها انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الأمريكي، وهي حرب غير شرعية: اتخذ قرارها الرئيس الأمريكي بشكل شخصي وبضغط من دولة أجنبية والشعب الأمريكي يعارضها... فماذا لو تصاعدت المعارضة الشعبية داخل أمريكا لهذه الحرب التي بلغت المعارضة الشعبية لها 60% منذ أول يوم من الحرب؟
وماذا لو أدت الضغوط إلى انسحاب أمريكا في منتصف الطريق؟
وماذا لو تركت أمريكا العرب مكشوفين في مواجهة ملتهبة مع إيران؟
هذه الحرب تحمل العديد من المخاطر للجميع، بمن فيهم أمريكا ذاتها، والدور الذي تلعبه دول المنطقة قد يكون دورا حاسما. فهي مسؤولية كبيرة - وفرصة كبيرة - لأبناء المنطقة، وعليهم أن يفكروا جيدا في خطواتهم التالية.
وهذا المبدأ 'كل شيء، أو لا شيء' هو أيضا مبدأ فكري يتبناه البعض في حياتهم الخاصة، كما يتبناه البعض في مجال السياسة. ولو نظرنا إلى ما تسعى إسرائيل لتحقيقه حاليا لوجدنا أنه يشمل: محاولة تدمير إيران - كما ظل نتانياهو ينادي لأربعين عاما - والعمل على إعادة احتلال غزة وإفراغها من سكانها، واستكمال استيطان الضفة الغربية تمهيدا لتفريغها، واحتلال جنوب سوريا (بالتحالف مع الدروز) وجنوب لبنان، والهيمنة على مناطق كردية في سوريا: خاصة مناطق دير الزور والبوكمال في شرق سوريا اللتين لهما تأثير على منطقة الأنبار في العراق، وبالتالي الهيمنة الإسرائيلية على غرب العراق، وذلك - مع وجود نوع من الشراكة الاستراتيجية (غير رسمية) ما بين إسرائيل وكردستان العراق - يعني الوصول إلى إيران.
والوصول إلى مناطق الأكراد شمال سوريا، ما يعني وصول إسرائيل إلى جنوب تركيا.
كل ذلك تعمل إسرائيل على إنجازه 'دفعة واحدة'.
وهو ما وصفه نتانياهو بأنه 'إعادة رسم الخرائط'، وبتعبير أدق: تدمير المنطقة 'دفعة واحدة'.
وفي حال ما إذا نجحت إسرائيل في مسعاها فإنها لن تكتفي بذلك ولن تقف عند هذا الحد، لأن كل ما سبق ما هو سوى مقدمة ضرورية لاستكمال 'إسرائيل الكبرى' في مرحلة تالية، أي مخطط 'من النيل إلى الفرات' الذي تعمل إسرائيل على تحقيقه حسب الرؤية الصهيونية.
ولا بد هنا من سؤالين:
السؤال الأول: هل عند إسرائيل القدرة على تحقيق كل ذلك الدمار 'دفعة واحدة'؟
والإجابة الواضحة: أنه ليس عند إسرائيل القدرة على تحقيق كل ذلك 'دفعة واحدة'.
والسؤال الثاني: إذا لم تكن عندها القدرة، فكيف تطمح إلى تحقيق ذلك؟
والإجابة السريعة - أو البديهية - هي أن إسرائيل تعتمد على تحريك أمريكا: سواء عن طريق دفع السياسيين الذين سبق أن مولتهم وأقنعتهم أن دعم إسرائيل يصب في مصلحتهم الشخصية، أو استغلال الجماعات الصهيونية المسيحية، أو اللجوء إلى الضغط الإعلامي، أو حتى عن طريق ابتزاز الشخصيات القيادية، كل ذلك حتى تقوم أمريكا بالحروب نيابة عن إسرائيل، بينما تقوم أمريكا بتغطية إسرائيل دبلوماسيا واقتصاديا في سبيل تحقيق أهدافها.
لكن الوسيلة الأساسية التي مكنت إسرائيل من استغلال أمريكا - وغير أمريكا - وتحقيق كل ما أنجزته من أهداف، هي 'الخداع': سواء كان خداع أمريكا أو خداع العرب أو خداع العالم الغربي، أو حتى خداع الجاليات اليهودية حول العالم.
أما خداع أمريكا: فبالدعاية المعروفة بأن إسرائيل هي 'الديمقراطية الوحيدة' في المنطقة، وأن إسرائيل امتداد للنفوذ الأمريكي، وأن المشروع الإسرائيلي هو في جوهره 'مشروع أمريكي'، وأن إسرائيل أقرب حليف لأمريكا، إلخ. مع ابتزاز العامة نفسيا و'أدبيا' عن طريق روايات المحرقة holocaust، وابتزازهم 'قانونيا' عن طريق القوانين التي يصدرها نواب تتحكم بهم إسرائيل، وهي قوانين تمنع أي انتقاد لإسرائيل باعتباره 'معاداة للسامية'.
مع السيطرة الإعلامية على فكر الشعب الأمريكي، والادعاء بوجود أسلحة دمار شامل، أو الإشارة إلى أعمال إرهابية مثل 11 سبتمبر 2001، لتخويف الناس من العرب والمسلمين.
ولا ننسى أنه - فوق كل ذلك - هناك ابتزاز مكشوف لقيادات أمريكا عن طريق الفضائح.
وفي النهاية - عندما تحقق إسرائيل أهدافها - فإنها سوف تطرد أمريكا من المنطقة. فالمشروع الصهيوني للسيطرة على المنطقة لا يتحقق مع بقاء أمريكا قوة مهيمنة على المنطقة.
أما خداع العرب: فلا يقل أهمية عن خداع أمريكا، بل ربما هو الأهم من خداع أمريكا، ونحن نرى الدول العربية منذ عقود وهي تنتقل من السقوط في فخ قديم إلى السقوط في فخ جديد، مرة عن طريق إحياء الصراعات الإقليمية والبينية وإشعالها، وأخرى عن طريق إشعال الخلافات الدينية والمذهبية والتاريخية، أو تخويف الجيران من بعضهم بعضا، أو غير ذلك، وقد شهدنا استدراج دول المنطقة واحدة تلو الأخرى في صراعات داخلية وخارجية، وفتن دينية حتى انتشر التطرف ووصلنا إلى داعش، وكيف تم الابتزاز الإعلامي للدول العربية والإسلامية عن طريق الاعلام الدولي، إلخ.
وخداع العالم الغربي: هو ما يتم أساسا عن طريق الإعلام الدولي، مرة أخرى عن طريق الادعاء أن إسرائيل هي 'الديمقراطية الوحيدة' في المنطقة، وأن إسرائيل امتداد للنفوذ الغربي وأنها تمثل 'الحضارة الغربية'، مع تخويف الناس من انتقاد إسرائيل باعتباره 'معاداة للسامية'، والروايات عن المحرقة holocaust والسيطرة الإعلامية على الشعوب الغربية، وابتزاز قيادات الغرب عن طريق الفضائح، والتخويف المستمر من العرب والإسلام والمسلمين، خاصة عن طريق الأعمال الإرهابية كما حصل في لندن ومدريد وباريس وغيرها.
فهناك منظومة متكاملة للخداع تمارسه إسرائيل على أمريكا وعلى العرب وعلى العالم الغربي عموما، وكما تخدع إسرائيل كل هؤلاء، فإنها تخدع بقية العالم.
وقد صدرت عدة كتب تبين كيفية استعمال إسرائيل للمؤامرات والفتن والدسائس والأكاذيب وغيرها من وسائل الخداع لتحقيق أهدافها: بعضها كتب تتكلم عن أحداث وحقائق، مثل كتاب بعنوان: 'عن طريق الخداع' By Way of Deception، وهو كتاب عنوانه مقتبس من شعار جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية 'الموساد'، والكتاب من تأليف فيكتور أستروفسكي Victor Ostrovsky وهو عميل موساد سابق يصف في كتابه طبيعة جهاز الموساد وأساليبه... وقد حاولت إسرائيل منع نشر هذا الكتاب.
وبعضها الآخر كتب تلجأ إلى صياغة الفكرة في قالب قصة، حتى يمكن للكاتب أن يقول ما لا يستطيع قوله في قالب واقعي، مثل كتاب 'بوابة العقرب' The Scorpion’s Gate، الذي صدر عام 2005، وهو كتاب في صياغة قصة عن كيفية إشعال الحرب ما بين السعودية وإيران، وتبدأ بتفجير ناقلة للغاز المسال في قطر، ويتم استغلال الهجوم على الطاقة لتغيير خريطة المنطقة! ومؤلف الكتاب ريتشارد كلارك Richard Clarke عميل سابق للمخابرات الأمريكية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة هامة: إسرائيل قد بلغت بها الثقة بالنفس أنها تريد 'كل شيء' دفعة واحدة، معتمدة على دعم أمريكي غير مسبوق.
إلا أن محاولة الحصول على 'كل شيء' دفعة واحدة تجعل احتمال الفشل أكبر بكثير من محاولة تحقيق الأهداف بالتدريج... كما تفعل إسرائيل عادة.
وفشل إسرائيل في 'كل شيء' دفعة واحدة، يعني أنها سوف تحصل على 'لا شيء'، ما سوف يكون ضربة هائلة بالنسبة لها... ترجعها إلى الوراء بدلا من أن تدفعها إلى الأمام.
من ناحية أخرى فإن هذه الحرب تزداد خطورتها كلما ازداد التصعيد: وقد بدأت أمريكا بأسلوب التخويف والوعيد، وحشدت أساطيلها وقواتها الجوية لتهديد إيران، وعندما لم ينجح ذلك عمدت إلى أسلوب 'قطع رأس القيادة decapitation' منذ أول يوم في الحرب، وعندما لم ينجح ذلك طرحت فكرة تسليح الأكراد ما قد يؤدي إلى تهديد عدد من دول المنطقة، كما طرحت فكرة مرافقة البحرية الأمريكية للسفن في مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى عواقب غير محسوبة، ولا يستبعد إنزال أمريكا قواتها بريا، وإن لم ينجح ذلك، فماذا سوف يتبعه؟
فلا يبدو أن هناك استراتيجية واضحة لحرب بهذه الخطورة!
وهي حرب محفوفة بالمخاطر واحتمالات الفشل لجميع الأطراف، لأنها في النهاية حرب إسرائيلية: ولا يهم إسرائيل ماذا يصيب المنطقة من كوارث ولا حتى ما يصيب أمريكا حليفتها.
وقد أدى توقف إنتاج الغاز المسال في قطر إلى ارتفاع سعر الغاز الطبيعي 50% في أيام، وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع سعر النفط من 72 دولارا للبرميل حتى تخطى حاجز 115 دولارا، فماذا سوف يحدث عندما تنبض خزانات النفط العائمة حول العالم؟
وقد قصفت إسرائيل خزانات النفط، ردت إيران بقصف مصفاة نفط حيفا.
فماذا سوف يحدث إذا تحولت الحرب إلى مصافي النفط؟
كما تضاعف سعر التأمين على النقل البحري - خاصة التأمين على ناقلات النفط - من 0.25% إلى 3% من قيمة السفينة، وارتفعت أسعار الشحن وسلاسل التوريد ولا بد من ارتفاع أسعار السلع، إلخ. فماذا سوف يكون التأثير على الاقتصاد العالمي إذا طال إغلاق مضيق هرمز؟
أما من الناحية العسكرية: فماذا سوف يحدث إذا حاولت الولايات المتحدة مرافقة السفن العابرة للمضيق وتم إغراق سفن حربية أمريكية؟
أو إذا أغرقت حاملة طائرات تحمل آلاف الجنود؟ أو تم إنزال جنود أمريكا على أرض إيران؟
أو إذا فشل الإنزال، فماذا بعد ذلك؟
وماذا لو تم توريط العرب للمشاركة في حرب لا تخصهم، وهم رافضون لها منذ البداية؟
وهذه الحرب لا بد لها انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الأمريكي، وهي حرب غير شرعية: اتخذ قرارها الرئيس الأمريكي بشكل شخصي وبضغط من دولة أجنبية والشعب الأمريكي يعارضها... فماذا لو تصاعدت المعارضة الشعبية داخل أمريكا لهذه الحرب التي بلغت المعارضة الشعبية لها 60% منذ أول يوم من الحرب؟
وماذا لو أدت الضغوط إلى انسحاب أمريكا في منتصف الطريق؟
وماذا لو تركت أمريكا العرب مكشوفين في مواجهة ملتهبة مع إيران؟
هذه الحرب تحمل العديد من المخاطر للجميع، بمن فيهم أمريكا ذاتها، والدور الذي تلعبه دول المنطقة قد يكون دورا حاسما. فهي مسؤولية كبيرة - وفرصة كبيرة - لأبناء المنطقة، وعليهم أن يفكروا جيدا في خطواتهم التالية.