الرأي

ما بعد المرشد في إيران: قراءة في الدستور الإيراني

عبدالله قاسم العنزي


لم يؤد مقتل المرشد الأعلى في إيران إلى الفراغ السياسي الذي راهنت عليه بعض التحليلات، بل انتهى المشهد سريعا بتعيين مجتبى خامنئي مرشدا جديدا، ولربما فسر هذا القرار بوصفه خطوة لضمان استمرارية النظام في لحظة حرجة، غير أن قراءة الدستور الإيراني تكشف أن ما حدث لا يمثل استثناء بقدر ما يعكس إحدى الآليات التي صمم بها النظام لتجاوز صدمات فقدان القيادة. فالنظام الإيراني لم يُبن على فكرة الزعامة الفردية وحدها، بل على منظومة دستورية ومؤسساتية وضعت أساسا لضمان استمرار الدولة حتى في أصعب الظروف.

من خلال قراءة الدستور الإيراني نجد أن المرشد يمثل قمة الهرم السياسي والديني في الدولة. فالمادة (110) تمنحه صلاحيات واسعة تشمل رسم السياسات العامة للنظام، والإشراف على القوات المسلحة، وتعيين كبار المسؤولين في المؤسسات الدستورية، والمصادقة على انتخاب رئيس الجمهورية. وبذلك يبدو استهداف المرشد في الظاهر ضربة قد تهدد استقرار النظام. غير أن النصوص الدستورية نفسها تكشف أن النظام وضع آليات واضحة تمنع حدوث فراغ في قمة السلطة.

فالمادة (107) تنص على أن اختيار المرشد الأعلى هو اختصاص مجلس خبراء القيادة، وهو مجلس منتخب يضم فقهاء يملكون صلاحية تحديد من تتوافر فيه شروط القيادة. وهذا النص يؤكد أن انتقال القيادة في إيران عملية مؤسسية عقائدية معقدة.!! ولذلك جاء تعيين مجتبى خامنئي باعتباره خيارا له بعد رمزي يرتبط بمكانة والده المرشد السابق في الوعي الإيراني، وهو ما يمنحه قوة عاطفية في وجدان الشعب الإيراني والاستمرارية المعنوية داخل النظام، ويطمئن مراكز القوة في الدولة، وفي مقدمتها الحرس الثوري الذي يدير القوى السياسية وغيرها داخل الجمهورية الإيرانية.

لكن الأهم من شخصية المرشد الجديد هو البنية الدستورية التي تحكم النظام. فالمادة (111) تعالج صراحة حالة وفاة المرشد أو فقدانه القدرة على الحكم، وتنص على أن مجلس خبراء القيادة يتولى اختيار قائد جديد، وفي الفترة الانتقالية تشكل هيئة قيادة مؤقتة تضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور. وهذا يعني أن الدستور الإيراني صمم لمنع الفراغ السياسي حتى في أكثر الظروف اضطرابا.

ومن هنا يظهر أن النظام الإيراني يقوم على ثلاث طبقات من التماسك: طبقة دستورية تتمثل في النصوص التي تنظم انتقال القيادة، وطبقة مؤسسية تضم مؤسسات قوية مثل مجلس خبراء القيادة والحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور، وطبقة عقائدية تقوم على فكرة ولاية الفقيه التي تجعل النظام قائما على مبدأ ديني يتجاوز شخص المرشد.

أما ما يراهن عليه الخطاب السياسي في الولايات المتحدة وإسرائيل على أن اغتيال القيادة قد يؤدي إلى انهيار النظام الإيراني. هي قراءة ليست صحيحة.! فحتى لو استهدف المرشد الجديد مستقبلا، فإن الدستور الإيراني يظل يوفر آليات لإنتاج قيادة بديلة، وهو ما يجعل سقوط النظام نتيجة غير حتمية.

أعتقد وظني ليس بعيد من أن هذه الحرب ممكن أنها تتوقف فجأة بقرار سياسي من طرف واحد، وقد تتوقف بتغريدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن تقلبات القرار السياسي في واشنطن تجعل مسار الصراع غير قابل للتنبؤ. كما أن عدم سقوط النظام الإيراني سينعكس بالتأكيد سياسيا على القوى التي راهنت على ذلك، سواء في الولايات المتحدة أو في بعض العواصم الأوروبية التي تشارك في رسم المواقف الدولية.

والخطر الأكبر الذي أحذر منه يتمثل في محاولة توسيع نطاق الصراع إقليميا. فاستمرار الحرب دون انهيار نظام ولاية الفقيه سيدفع الكيان الصهيوني إلى محاولة جر دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وما يجعلني أقول إن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يهدفان إلى إدخال دول الخليج في هذه الحرب لحفظ ماء الوجه أمام شعوبهم، وهذا نقرؤه جيدا في تصريحات بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن «التطرف السني» و»التطرف الشيعي»، وهي تصريحات توحي بإمكانية توظيف البعد الطائفي لإشعال صراع إقليمي واسع. ومثل هذا الخطاب يحمل مخاطر كبيرة إذا تقبلت شعوب الخليج مثل هذه الخطابات وحولت الفضاء الالكتروني إلى حرب طائفية تمهد إلى صراع محتمل تدخل فيه دول الخليج في هذه الحرب التي ليست طرفا فيها.

إذاً يجب أن تدرك شعوب الخليج حساسية هذه المرحلة، وأن حكمة دول مجلس التعاون في إدارة الصراع القائم، وقرارها بالنئي عن الدخول في الصراع، واستخدام سياسة ضبط النفس بأعلى درجاتها تعتبر قرار الدول المسؤولة لحفظ استقرار الأمن السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم.

ختاما: الواجب أن تقف شعوب دول مجلس التعاون صفا واحدا خلف قياداتها للحفاظ على استقرار المنطقة، وعدم الانجرار إلى صراع قد يراد له أن يتحول إلى حرب طائفية واسعة. فالتجارب السياسية في المنطقة تشير إلى أن القوى الكبرى قد تشعل الصراعات ثم تنسحب منها، تاركة شعوب المنطقة تتحمل نتائجها.