الرأي

بيعة ثابتة ووطن واثق

عبدالله فدعق


في هذه الليلة المباركة، ليلة السادس والعشرين من رمضان، تستعيد بلادنا المملكة العربية السعودية ذكرى بيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بولاية العهد، وهي ذكرى لا تستحضر بوصفها مناسبة بروتوكولية في تقويم الدولة، بل بوصفها محطة في مسار وطن يمضي بثقة نحو مستقبله، مستندا إلى رؤية واضحة وعزم طويل النفس.

البيعة في مفهومها الإسلامي ليست مجرد إجراء سياسي، بل هي عقد أخلاقي قبل أن تكون التزاما إداريا، وعلاقة ثقة بين القيادة والشعب، تقوم على الرعاية والمسؤولية، وتستمد جذورها من تاريخ إسلامي طويل اقترنت فيه البيعة بمعاني العدل والإصلاح وتحقيق المصالح العامة.

اليوم، ونحن نحتفي بـ«الذكرى التاسعة» لهذه البيعة الميمونة، نتوقف عند لحظات إقليمية ودولية شديدة التعقيد؛ عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، وتزداد فيه التحديات الجيوسياسية، ومنطقة تتشابك فيها الأزمات والصراعات؛ وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تظهر قيمة القيادة التي تمتلك وضوح الرؤية والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.

مما يحمد لسيدي ولي العهد الأمين ويستوجب الذكر أن المملكة العربية السعودية في عهده بدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني المنظم، تجلت في برامج إصلاح اقتصادي واجتماعي وتنموي واسعة أعادت ترتيب الأولويات، ووسعت آفاق الاقتصاد الوطني، وفتحت مجالات جديدة للشباب والطموح والإبداع، ولم تكن التحولات التي شهدتها المملكة تحولات عابرة، بل تحولات بنيوية في التفكير التنموي ذاته، تجلت في الانتقال من إدارة الموارد إلى صناعة الفرص، ومن الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد متنوع يستند إلى المعرفة والابتكار والاستثمار في الإنسان، وفي فكره، بل حتى في طريقة تدينه؛ ولعل من أبرز ما يلفت النظر في هذه المرحلة أن المشروع الإصلاحي لم يقتصر على جانب اقتصادي أو إداري فحسب، بل امتد ليشمل بناء منظومة متكاملة تعزز جودة الحياة، وتدعم الثقافة، وتعيد الاعتبار لدور المجتمع في المشاركة في التنمية وصناعة المستقبل، وفي الوقت ذاته، حافظت المملكة على ثوابتها الراسخة، وفي مقدمتها خدمة الحرمين الشريفين وضيوفهما، والقيام بمسؤولياتها الإسلامية والإنسانية، إلى جانب دورها المحوري في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون الدولي.

ذكرى البيعة المباركة ليست مناسبة للاحتفاء فحسب، بل فرصة للتأمل في مسيرة وطن استطاع خلال سنوات قليلة أن يعيد تعريف موقعه في خريطة الاقتصاد العالمي، وأن يقدم نموذجا تنمويا يقوم على الطموح والعمل والانضباط المؤسسي، رغم أنه يمر بمرحلة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع التوترات السياسية؛ لا يتجاوزها إلا من يمتلك وضوح الرؤية، وقوة المؤسسات، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

أختم بأننا وفي خواتيم شهر رمضان، حيث تتجدد في النفوس معاني المراجعة والبناء الداخلي، تبدو ذكرى البيعة أكثر عمقا في دلالتها؛ فالأمم - كما الأفراد - لا تنهض إلا إذا امتلكت وضوح الهدف، وصلابة الإرادة، والقدرة على العمل طويل النفس؛ والحمد لله وحده أن هذا الوطن الشامخ لم يبن على المصادفات، بل على فكرة واضحة وإرادة واعية، منذ البدايات الأولى وحتى هذه المرحلة التي تتجدد فيها الطموحات وتتسع فيها الآفاق.. اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، ووفق قيادتها لكل ما فيه خير البلاد والعباد، وأدم عليها أمنها واستقرارها ووحدتها، وتقبل من الجميع الصيام والقيام وصالح الأعمال، واجعل ما بقي من هذا الشهر المبارك أيام توفيق وقبول، واجعل عيدنا القادم عيد خير وبركة على بلادنا والعالم من حولنا، وأعده علينا أعواما مديدة ونحن في أمن وأمان، ووطننا يمضي بثبات نحو مستقبل يليق بتاريخه ومكانته.