الكذب مع سبق الإصرار... دوافع صانعي حملات التضليل
الأربعاء / 22 / رمضان / 1447 هـ - 02:32 - الأربعاء 11 مارس 2026 02:32
في عالم السياسة يعد انتشار الأخبار الكاذبة ليست مجرد صدفة أو أخطاء عابرة، بل أداة مدروسة تستخدم للتأثير على الرأي العام وتوجيهها بما يخدم مصالح محددة، وتعرف هذه الظاهرة بالتضليل السياسي، وتشمل نشر معلومات مضللة أو تشويه الحقائق بشكل منهجي.
ويعمل التضليل السياسي من خلال الترويج للانحيازيات، وتستخدم الحملات الممنهجة الأخبار الزائفة لتعزيز القناعات الموجودة لدى الجمهور، مما يجعلها أكثر خداعا، وذلك من خلال زرع الشك وعدم الثقة لتصديق المعلومات والأخبار الكاذبة، وهذا يجعل الجمهور يشكك في كل مصدر معلومات غير المصدر المعتاد على استقبال معلومات منه، بالإضافة إلى تضخيم الخلافات الاجتماعية والسياسية ونشر الشائعات التي تثير الانقسامات، ويشغل الجمهور عن القضايا الحقيقية. وتستخدم الحملات الممنهجة في سبيل ذلك البوتات والحسابات الوهمية لنشر رسائل منظمة بسرعة كبيرة، وكذلك دور الإنفلوينسرز السياسيين من الشخصيات المؤثرة التي تستغل مصداقيتها لنشر الأخبار الكاذبة، بالإضافة إلى دور الميمز والمحتوى المرئي لجعل الأخبار الزائفة سهلة التذكر والانتشار وتساهم في تغير تصورات الجمهور تجاه قضايا محددة.
تنتج هذه الحملات من ما يعرف باسم مصانع محتوى، وهي عبارة عن مجموعات تغذي الزيف، فليس كل ما ينشر على الإنترنت يعتمد على صحافة متقنة ومعلومات موثقة؛ بل ينتج من خلال مصانع المحتوى منخفض الجودة، وهي مواقع وصفحات رقمية تنتج محتوى ضحلا وسريع الانتشار بهدف الربح أو التأثير، وغالبا ما تكون بيئة خصبة للأخبار الكاذبة.
ولتبسيط فهم مصانع المحتوى، فهي كيانات رقمية تنشئ محتوى سريعا، وغالبا ما ينشر قصصا مثيرة وجذابة، لكنها غير دقيقة بعناوين صادمة تجذب النقرات Clickbait وتتضمن صورا وفيديوهات محرفة أو معاد استخدامها خارج سياقها، وهدفها الأساسي الربح المالي من خلالها لإعلانات على الإنترنت التي تدفع مقابل كل نقرة أو مشاهدة.
كذلك صناعة التأثير السياسي أو الاجتماعي ضمن حملات منتظمة للتلاعب بالرأي العام، وتحقيق الانتشار السريع للمحتوى القصير على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يزيد من عدد القراء والمتابعين. وتشكل مصانع المحتوى منخفض الجودة جزءا من الاقتصاد الرقمي المظلم للأخبار الكاذبة، ومن أبسط طرق الاستدلال عليها العناوين الصادمة أو المبالغ فيها، وغياب المصادر أو الاعتماد على مصادر مجهولة، مع تشابه المحتوى عبر مواقع متعددة دون تحقق، والتركيز على الإثارة أكثر من الفائدة.
كما تعمل مصانع المحتوى على شيوع تضليل الجمهور حول أحداث مهمة، وتعزيز الشائعات والأخبار الكاذبة، ونزع الثقة في الإعلام الموثوق والمصادر الحقيقية، وهي لا تصنع دائما بدافع العبث أو الجهل، بل في كثير من الحالات يكون التضليل مقصودا ومخططا، تنسج فيه الأكاذيب لتحقيق دوافع في السلطة والسيطرة لإعادة تشكيل الرأي العام، وتوجيه النقاش، أو ضرب الخصوم.
من دوافع انتشار الأخبار الكاذبة التأثير الاجتماعي؛ حيث تعمل مجموعات أو أفراد على نشر معلومات مضللة لتغيير السلوك الجماعي، سواء لدفع الجمهور نحو موقف معين أو إبعادهم عنه، وأحيانا يكون الهدف خلق فوضى معرفية تجعل الحقيقة غائمة مما يسهل التلاعب، وهناك حملات تستهدف أفرادا أو جهات بهدف التشويه أو الإضعاف في هذا السياق، تتحول الأكاذيب إلى سلاح شخصية ويقوم صانعو التضليل بنشر الأكاذيب لخدمة قضيتهم وأيديولوجيتهم، وهنا يصبح الزيف جزءا من معركة يرونها نبيلة.
ختاما، تبنى حملات التضليل من اختيار قصة قابلة للانتشار وتثير المشاعر وتخاطب الانحيازات وتصعب مقاومتها، وتحديد فئة محددة من الجمهور يسهل التأثير عليها، واستخدام أدوات النشر السريع من بوتات، وصفحات مجهولة، ومؤثرين، من خلال صور وفيديوهات معدلة، ثم خلق طبقات من الضجيج، فكلما تكررت الأكاذيب من مصادر مختلفة، ازداد انتشارها وتصديقها، لهذا فالتضليل ليس مجرد خلل في المعلومة، بل عمل استراتيجي يهدف إلى التأثير والربح والسيطرة، ومقاومته في إدراك دوافعه وما يجعلنا أكثر قدرة على مقاومته وأكثر وعيا بما يجري في ساحات الإعلام الرقمي، والعنصر الأساسي في الكشف عن الأخبار الكاذبة يقف في كشف الأهداف خلف الخبر: والسؤال دائما عن المستفيد من نشر الخبر، والتحقق من مصادر المحتوى المتداول، وعدم الانجرار خلف العاطفة، ورفع الوعي، فكلما زاد وعي المجتمع تراجعت فعالية التضليل.