الرأي

جدل رش «العطر» على الرقبة 

عبدالمعين عيد الأغا


في الآونة الأخيرة تصاعد الجدل حول عادة يراها كثيرون بسيطة ولا تستحق التوقف عندها، بينما يحذر منها آخرون باعتبارها قد تحمل أبعادا صحية خفية، وتتمثل هذه العادة في رش العطر مباشرة على منطقة الرقبة، فبين من يؤكد أن الأمر آمن تماما ولا يتجاوز كونه ممارسة تجميلية معتادة، ومن يربطه بتأثيرات محتملة على الغدة الدرقية والهرمونات والصحة العامة، إذ تباينت الآراء وكثرت التساؤلات.

وهذا الجدل المتداول في مواقع التواصل الاجتماعي دفع عددا من القراء إلى طرح استفسارات متكررة حول مدى صحة هذه المخاوف، وما إذا كانت تستند إلى حقائق علمية أم أنها مجرد مبالغات متداولة، ومن هنا وجدت أنه من المهم التوقف عند هذا الموضوع، ليس بدافع إثارة القلق، بل بدافع التوضيح، خاصة أنه يمس شريحة واسعة من الناس ممن اعتادوا وضع العطر على الرقبة باعتبارها من أكثر المواضع ثباتا للرائحة وجاذبية في الاستخدام اليومي.

وفي الواقع، إن الإجابة العلمية لهذا الجدل تكمن في أن رش العطر على الرقبة مباشرة لا يسبب مرضا فوريا أو مباشرا للغدة الدرقية كما يعتقد البعض، فالعطر لا يصل للغدة، وأقصى ما يسببه هو تحسس جلدي فقط، كما أن المادة الأساسية في العطور هي الكحول التي تصيب الجسم بالحساسية الضوئية بمجرد التعرض لأشعة الشمس، وتظهر معها بقع سمراء تأخذ الشكل نفسه لتوزيع العطر على الرقبة، ولكن توجد مخاوف علمية وصحية بسيطة من الاستخدام اليومي والمكثف لبعض أنواع العطور، خاصة تلك التي تحتوي على مركبات كيميائية مثل الفثالات والبارابين، فالرقبة منطقة حساسة والغدة الدرقية تقع في مقدمتها والجلد في هذه المنطقة رقيق، مما قد يجعل امتصاص بعض المواد الكيميائية القوية أسهل مقارنة بمناطق أخرى من الجسم.

وإلى الآن لا توجد دراسات مؤكدة توضح أن العطر وحده يسبب أمراض الغدة الدرقية، ولكن بعض التقارير العلمية المحدودة وغير الكافية وجدت أن بعض مكونات العطور قد تؤثر على الهرمونات عند التعرض لها بكثرة ولفترات طويلة، وهذه التأثيرات ظهرت بشكل أوضح في التجارب المخبرية وعلى الحيوانات، بينما على البشر ما زالت الدراسات غير حاسمة، وبمعنى أوضح، إن الخطر محتمل وليس مؤكدا، ويزداد فقط مع الإفراط في الاستخدام، فليست كل العطور ضارة، لكن بعض الأنواع تحتوي على مواد ومركبات كيميائية قوية - كما أوضحت - قد تسبب تهيج الجلد، الصداع، حساسية أو ضيق تنفس لدى بعض الأشخاص وخصوصا المصابين بالحساسية والربو، وبعض هذه المواد يشتبه بأنها قد تؤثر على الهرمونات عند الاستخدام المتكرر والمفرط.

ومما سبق ينصح الجميع بتجنب رش العطر مباشرة على مقدمة الرقبة، ويكون الرش على الملابس والمعصمين، وعدم الإكثار من العطر فالقليل يكفي، وتجنب فرك الجلد بعد رش العطر، أما أصحاب الحساسية الصدرية أو الربو فيفضل تجنب العطور نهائيا أو استخدام العطور الخفيفة أو الطبيعية، وبذلك فالوقاية هنا تتمثل في الاعتدال في استخدامه واختيار الطريقة الصحيحة بعيدا عن الرش على الرقبة.

الخلاصة: لا ينصح باستخدام العطر نهائيا في منطقة الرقبة، فبعض العطور قد تحتوي على مواد ومركبات كيميائية قد تدخل للجسم عبر الجلد إلى الغدة في حال الإفراط في استخدامها في منطقة الرقبة، والأفضل أن يكون على الملابس، إذ يبقى الجمال الحقيقي في وعي الإنسان قبل عطره، وفي حرصه على صحته قبل حرصه على ثبات الرائحة، فالعطر وجد ليمنحنا حضورا أنيقا ولمسة انتعاش، لا ليكون سببا في تعريض أجسامنا لمواد ومركبات كيميائية قد تمتصها بعض المناطق في الجسم، ومن بينها الرقبة القريبة من الغدة الدرقية والغنية بالأوعية الدموية، فصحة الفرد أولى من أي تفصيل جمالي، واعتدال العادات اليومية هو سر العافية الدائمة.