الرأي

في الأحداث الكبرى يختفي التافهون!

عبدالحليم البراك


قال صاحبي: ألا تلاحظ أن في الأحداث الكبرى يختفي التافهون؟ ألا يلفت انتباهك أنهم يحاولون أن يجدوا موطئ قدم في مواقع التواصل الاجتماعي ولكن الناس - هذه الأيام - لا يلتفتون إليهم؟ يقول أيضا (والكلام لصاحبي): لقد لاحظت شيئا؛ أنهم زادوا الجرعة قليلا من قلة الحياء اللفظي والجسدي والفكري وتسطيح الحياة والفكر، ولكن كل هذه المحاولات لم تجذب الناس إليهم، وبقوا منشغلين بما هو أهم هذه الأيام.

قال صاحبي أيضا: لقد اكتشفت شيئا خاطئا الكل يعرفه قبلي، لكن الكل أيضا - بمن فيهم أنا أعود لأقع في الخطأ نفسه - نحن من نرفع هؤلاء التافهين، ونحن القادرون على تجاهلهم، ومع ذلك لو زالت - إن شاء الله - تلك المواضيع الكبيرة جدا سنجد أننا عدنا للتافهين نحتفي بهم وفي سطحيتهم.

قال صاحبي: بمعنى آخر، لو خلق كل فرد فينا قضية كبرى دون انقطاع، جعلت هذه القضية الكبرى أهم من تافهي مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعتهم، سيبقون وحيدين لا قيمة لهم. قال صاحبي أيضا: كل واحد منا لديه قضية كبرى في حياته يفرط في وقتها الذي هو أغلى ما يملك، وبدلا من أن يصرف هذا الوقت على قضيته الكبرى، يصرفه على متابعة التافهين. فتخيل أن مريض السكر يحتاج أن يمشي لمدة ساعة يوميا حتى يخفف من هذا الداء في جسده، يفرط في ساعة من الزمن حتى يبقى خاملا بلا حركة ليتابع تافها يصور أجساد العابرين والعابرات! وتخيل معي أن بعضهم لا يملك المال الكافي ويأمل أن ينمو المال في يديه ليسد دينه أو ليحسن من حالته المالية، لكنه لا يفعل شيئا وينفق وقته الذي يجب أن يعمل فيه ليتابع التافهين. وتخيل أن مفكرا وفيلسوفا وطبيبا، بدلا من أن يصرف الأول جهده في تأليف، والثاني في تأمل، والثالث في تطوير مادته العلمية؛ يصرفون وقتهم - وهو أغلى ما يرفع من قيمتهم مع الوقت - على تافه مواقع التواصل الاجتماعي الذي ينصب خيمته ليصور طريقة طبخه تارة، أو زيارة العاطلين عن العمل من المشاهير الآخرين إليه تارة أخرى.

قال صاحبي: إليك ما هو أغرب؛ أعرف أطباء ركبوا الموجة فبدؤوا بالبث على مواقع التواصل الاجتماعي، وصاروا إلى التفاهة أقرب منهم إلى الطب. قال صاحبي أيضا: وسؤالي؛ أي الفريقين أحق بصفة التافه؟ هل هو صاحب المحتوى الذي يضع ما لا قيمة له في مواقع التواصل الاجتماعي ثم يكسب المال والشهرة، أم من يصرف وقته وجهده وربما اشترى ما لا يحتاج بسبب إعلان قدمه أحدهم؟

في لحظة تأمل فريدة من نوعها قال صاحبي: نحن أكبر ناقم على التافهين ونحن أكثر الناس تمويلا لهم، ونحن من نشتمهم في المجالس ثم نستشهد بأفعالهم التي نتابعها أكثر من متابعتنا لحقوقنا الضائعة لدى الناس. وفي لحظة تأمل فريدة من نوعها قال صاحبي: إن الحكمة سهلة والعمل بها صعب، وإن العمل سهل خاصة بلا رؤية أو حكمة تعمل بها، وإن اجتماع الاثنين معا مع وعي كبير ربما يرمي هؤلاء التافهين خارج نطاق اهتمامات الناس، أو على الأقل يكونون في نسبة مئوية محدودة لا تضر، تشبه الصحف الصفراء في الدول المتقدمة التي لا يشتريها إلا الفارغون.

في لحظة تأمل فريدة من نوعها قال صاحبي: سأكون أحد التافهين إن تابعت التافهين، ولكن قبل هذا، كم عدد التافهين المتابعين للتافهين إن شاهدت عدد المتابعين لكل واحد منهم؟ في لحظة تأمل فريدة قال صاحبي: نصف البلد متابع لهم!