عندما تتجاوز الاستراتيجية الأيديولوجيا: إيران والقاعدة ومنطق التقاطع
الاثنين / 20 / رمضان / 1447 هـ - 02:18 - الاثنين 9 مارس 2026 02:18
على مدى عقود، اعتاد المحللون وصف الحركات الجهادية السنية والنظام الثوري الإيراني كخصمين طبيعيين. ويبدو هذا التوصيف منطقيا للوهلة الأولى؛ فالأولى تمثل تنظيما سنيا متطرفا، بينما تمثل الثانية دولة ثورية ذات مرجعية شيعية.
لكن التاريخ يروي قصة أكثر تعقيدا.
في عالم الجغرافيا السياسية، قد تشكل الأيديولوجيا الخطاب، لكن الاستراتيجية هي التي تحدد السلوك.
خلال فترات مختلفة من العقود الثلاثة الماضية، ظهرت مساحات محدودة من التقاطع التكتيكي بين عناصر من أجهزة الأمن الإيرانية وبعض القيادات البارزة في تنظيم القاعدة. لم يكن هذا التقارب أيديولوجيا، بل كان تقاربا تحكمه الحسابات الاستراتيجية. ويبرز في هذا السياق اسمان يعكسان هذا التقاطع بوضوح: أحمد وحيدي، أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، وسيف العدل، أحد أبرز المخططين العسكريين في تنظيم القاعدة. تكشف مسارات هذين الرجلين كيف يمكن أن تتقاطع مصالح الدول مع شبكات التنظيمات المسلحة عندما تواجه بيئة استراتيجية مشتركة.
الحرس الثوري ونموذج القوة
غير المباشرة
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أصبح الحرس الثوري الأداة الأساسية لتنفيذ الاستراتيجية الثورية للنظام الإيراني. وعلى خلاف الجيوش التقليدية، لم ينشأ الحرس الثوري فقط للدفاع عن الدولة الإيرانية، بل أيضا لحماية وتصدير الأسس الأيديولوجية للثورة.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه المهمة إلى نموذج أوسع يقوم على القوة غير المباشرة.
فبدلا من الاعتماد الكامل على القوة العسكرية التقليدية، عملت إيران على بناء شبكات من الجماعات المسلحة الحليفة والتنظيمات الوكيلة في أنحاء مختلفة من المنطقة. وقد وفرت هذه الشبكات عمقا استراتيجيا وقدرة على الردع، إضافة إلى أدوات ضغط ضد الخصوم الأقوى عسكريا.
وتتولى قوة القدس التابعة للحرس الثوري إدارة هذه العلاقات، حيث تشرف على العمليات الخارجية لإيران وتنسق مع الحركات المسلحة غير التابعة للدول.
وقد سمح هذا النموذج لطهران بتوسيع نفوذها في عدة ساحات إقليمية مع الحفاظ على هامش من الإنكار السياسي.
ضمن هذا الإطار المؤسسي برز أحمد وحيدي كأحد أبرز المهندسين لشبكات العمليات الخارجية الإيرانية.
أحمد وحيدي واستراتيجية الأمن الخارجي الإيراني
ارتبط أحمد وحيدي بالعمليات الخارجية للحرس الثوري منذ السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية. وخلال مسيرته، شغل مناصب قيادية داخل قوة القدس قبل أن يتولى لاحقا مناصب عليا في المؤسسة الدفاعية الإيرانية، من بينها منصب وزير الدفاع.
تعكس مسيرته المهنية الفلسفة العملياتية للحرس الثوري: الانضباط، والعمل الاستخباراتي، والاعتماد على أدوات الحرب غير التقليدية.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، وسعت إيران علاقاتها مع عدد من التنظيمات المسلحة في الشرق الأوسط. ولم تكن هذه العلاقات قائمة على التقارب الأيديولوجي بقدر ما كانت أدوات لتحقيق النفوذ الاستراتيجي.
كان الهدف واضحا: بناء شبكات قادرة على الضغط على الخصوم الإقليميين وتعزيز النفوذ الإيراني خارج حدوده.
لكن هذا النهج سيتقاطع لاحقا مع قيادة تنظيم القاعدة بعد حدث غير ملامح النظام الأمني الدولي.
القاعدة بعد عام 2001
شكلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول كبرى في البيئة الأمنية العالمية. فقد أطلقت الولايات المتحدة حملة عسكرية في أفغانستان أدت إلى تفكيك الملاذ الرئيسي لتنظيم القاعدة. نتيجة لذلك، تفرقت قيادة التنظيم في عدة مناطق بحثا عن ملاذات آمنة.
وكان من بين أبرز هذه القيادات سيف العدل، الضابط المصري السابق في القوات الخاصة، والذي أصبح أحد أهم العقول العسكرية داخل التنظيم.
لعب العدل دورا محوريا في تدريب المقاتلين وتنظيم العمليات العسكرية وصياغة الاستراتيجية العملياتية للقاعدة.
وبعد سقوط حكم طالبان، تشير تقارير استخباراتية إلى أن عددا من قيادات القاعدة - من بينهم سيف العدل - مروا عبر إيران أو وجدوا فيها ملاذا مؤقتا خلال المراحل الأولى من الحرب العالمية على الإرهاب.
ولا تزال طبيعة وجودهم داخل إيران موضع نقاش بين الباحثين. فبعض الروايات تشير إلى إقامة خاضعة للرقابة الإيرانية، بينما تشير أخرى إلى ترتيبات تفاوضية سمحت لهم بحركة محدودة.
لكن المؤكد أن إيران أصبحت في تلك المرحلة نقطة عبور ومصدر نفوذ في التعامل مع بعض قيادات القاعدة.
تقاطع المصالح الاستراتيجية
للوهلة الأولى، يبدو التعاون بين دولة ثورية شيعية وتنظيم جهادي سني أمرا متناقضا.
لكن المنافسة الاستراتيجية كثيرا ما تنتج تحالفات غير متوقعة.
فكل من إيران والقاعدة نظر تاريخيا إلى الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين باعتبارهم خصوما رئيسيين. كما اعتمد الطرفان على أدوات الحرب غير المتكافئة بدلا من المواجهة العسكرية التقليدية. هذه المصالح المتقاطعة خلقت مساحة لتفاعل تكتيكي محدود.
وتعود بعض قنوات الاتصال بين شبكات إيرانية وحركات سنية متشددة إلى أوائل التسعينيات، عندما اجتمعت عدة تنظيمات إسلامية في السودان تحت رعاية حسن الترابي. وقد وفرت تلك اللقاءات قنوات للتنسيق بين مجموعات مختلفة رغم تباين خلفياتها الأيديولوجية.
بالنسبة للجماعات المسلحة، وفرت إيران عمقا جغرافيا ومسارات لوجستية. أما بالنسبة لطهران، فقد أتاح التواصل مع هذه الشبكات فرصا استخباراتية وأوراق ضغط استراتيجية.
لم يكن ذلك تحالفا أيديولوجيا، بل تفاعل محسوب فرضته الضرورات الاستراتيجية.
الدرس الاستراتيجي
تكشف العلاقة بين مؤسسات إيرانية وبعض عناصر تنظيم القاعدة حقيقة أوسع في طبيعة الصراعات الحديثة. فالتحالفات في عالم التنظيمات المسلحة نادرا ما تكون دائمة. إنها في الغالب تحالفات مصلحية مؤقتة.
قد تتسامح الدول مع جماعات مسلحة أو توظفها لتحقيق أهداف استراتيجية. وفي المقابل، قد تتعاون هذه الجماعات مع خصوم أيديولوجيين عندما يخدم ذلك بقاءها أو توسعها.
هذه الحقيقة تعقد كثيرا الروايات المبسطة التي تطرح غالبا عند تحليل الإرهاب في الشرق الأوسط.
فالتهديدات الأمنية لا تنشأ في فراغ، بل تتشكل داخل منظومات جيوسياسية معقدة تتداخل فيها مصالح الدول مع شبكات الاستخبارات والحروب بالوكالة.
إن التقاطع بين شبكات الحرس الثوري المرتبطة بأحمد وحيدي ودور سيف العدل داخل تنظيم القاعدة يكشف حقيقة أساسية في عالم التنافس الاستراتيجي. الأيديولوجيا مهمة، لكن الاستراتيجية أكثر تأثيرا.
وعندما تتقاطع المصالح الجيوسياسية، قد يجد الخصوم أنفسهم في مساحات محدودة من التعاون.
بالنسبة لصناع القرار والباحثين، فإن فهم الإرهاب في الشرق الأوسط يتطلب النظر ليس فقط إلى التنظيمات المسلحة، بل أيضا إلى البنى الدولتية والحسابات الاستراتيجية التي تسمح بوجودها. ففي منطقة تتداخل فيها الحروب بالوكالة مع الصراعات الإقليمية، غالبا ما تتشكل أخطر التحالفات بعيدا عن الأضواء.
وفي تلك الظلال تحديدا، يبنى كثير من معمار الإرهاب المعاصر.