شيزوفرينيا رقمية
الاثنين / 20 / رمضان / 1447 هـ - 02:17 - الاثنين 9 مارس 2026 02:17
لم يعد المشهد مجرد شاشة زجاجية تعكس صورا عابرة بل غدا مسرحا لعملية (اغتيال شعوري) منظمة نمارسها بوعي أو دون وعي ضد أقدس ما نملك (توازننا الوجداني) في تلك المسافة الضيقة بين نقرة وأخرى وحركة إصبع طائشة تزيح زمنا وتستجلب آخر، نحن نرتكب في حق أرواحنا أبشع أنواع الانتهاك!! حيث نصلب قلوبنا قسرا على أرصفة الحزن المباغت ثم ننتزعها عنوة لنقذف بها في أتون قهقهة جوفاء لا أصل لها ولا جذر.
إننا نعيش حقبة (التفاهة الوجدانية) حيث يتجاور الموت مع النكتة والنشيج مع الضجيج في شريط خوارزمي واحد لا يعترف بجلال اللحظة ولا بحرمة الشعور.
إن هذا التذبذب العنيف الذي ينقل المرء من جلال (الجنازة) إلى صخب (الحفل) في طرفة عين قد سلب الألم قداسته وأفقد السعادة معناها الرصين!!
لقد تفتتت قدرتنا على الوقوف مع المعنى فصرنا نمشي فوق جراح الآخرين وضحكاتهم بسرعة مذهلة، يطاردنا قلق وجودي غريب خوفا من أن يفوتنا المقطع القادم.
لقد تحولت الكينونة البشرية في ظل هذه (الشيزوفرينيا الرقمية) إلى كائنات لحظية بلا ذاكرة، نجمع النقيضين في وعاء واحد دون أن ينضج في داخلنا شعور واحد مكتمل!!
إنها ردة وجدانية نحو طفولة الوعي البدائية.
حيث لا يربط بين الحدث والآخر سوى بريق اللحظة الزائل، وحيث يسود الانفعال اللحظي على حساب العاطفة العميقة فنحن اليوم لا نبكي حقا ولا نضحك صدقا.
بل نستهلك الانفعالات كما نستهلك السلع المكدسة على الأرفف.
لقد غدا القلب في هذا العصر مجرد مضخة بلاستيكية تستجيب آليا للمثيرات بعد أن كان مستودعا للمواجع وملاذا للعبر ومحرابا للتأمل.
إن هذا الاستنزاف المستمر يؤدي بالضرورة إلى تخدير الحواس وتبلد الروح!
فالقلب الذي يمتص كل شيء بنهم الإسفنج ينتهي به الأمر إلى ألا يحتفظ بشيء، وحين يفقد الإنسان قدرته على الفصل بين مقامات الحزن ومقامات الفرح فإنه يفقد في الحقيقة بوصلته الأخلاقية.
إذ يصبح التعاطف مجرد رد فعل كيميائي مؤقت يتبخر مع أول تمريرة للإصبع نحو المحتوى التالي؟
أما المخرج من هذا التيه فيكمن في استعادة سيادة الإرادة على الحواس والانتقال من حالة الاستهلاك المنفعل إلى الحضور الواعي.
إن أولى خطوات الخلاص النفسي تبدأ بفرض حرمة زمنية على مشاعرنا، فلا نسمح للعابر الرقمي أن يقتحم خلوة الحزن فينا ولا نأذن لقهقهة عارضة أن توئد دمعة صادقة لم تكتمل دورتها في الروح بعد!!
نحن بحاجة ماسة إلى ممارسة (الصيام الرقمي) عن المثيرات المتلاحقة ومنح أنفسنا ترف الوقوف، ذلك الوقوف الذي يعيد للقلب قدرته على الفلترة والتمييز ويحول دون تحوله إلى مجرد وعاء مثقوب تمر عبره الانفعالات دون أن تترك أثرا!
إن نجاة المرء اليوم مرهونة بقدرته على اعتزال الضجيج ولو لبرهة، ليعيد بناء جدران قلبه التي هدمتها التمريرات المتتالية، فالمشاعر التي لا تجد وقتا لتنضج هي مشاعر لا تستحق أن تعاش، والروح التي لا تحترم صمتها لا تملك أبدا ناصية بيانها!!