الرأي

هل سيسرق «الذكاء الاصطناعي» وظيفتي؟

برجس حمود البرجس


المشكلة لا تكمن في «الذكاء الاصطناعي»، بل في فجوة الاستعداد له، ولم يعد السؤال «هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على وظيفتي؟» بل «كيف أستفيد منه لأبقى ذا قيمة في سوق العمل؟».

يشهد العالم اليوم تحولا متسارعا تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد مجرد أدوات مساندة، بل أصبحت شريكا فاعلا في الأعمال وصناعة القرار وتنفيذ المهام، بل واستبدال بعض الوظائف بالكامل. هذا التحول ليس احتمالا نظريا، بل واقع يتشكل أمام أعيننا، وستتسارع وتيرته خلال السنوات القليلة المقبلة.

في المملكة، ورغم الزخم الكبير الذي أحدثته رؤية السعودية 2030 في مجالات التحول الرقمي وتنويع الاقتصاد، إلا أن مفهوم «تطوير الأعمال» والاستعداد المبكر لوظائف المستقبل لم يكن شائعا بالقدر الكافي قبل الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي. اعتاد كثير من الموظفين على نمط وظيفي مستقر، يعتمد على مهام تقليدية قابلة للتكرار، دون استثمار حقيقي في تطوير المهارات أو إعادة التأهيل المستمر.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات متعددة، فإن التأثير سيكون أكثر حدة في البيئات التي لم ترسخ ثقافة التطوير المهني المستدام. فالمشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في فجوة الاستعداد لها. وكلما تأخر الأفراد والمؤسسات في التكيف، ازدادت كلفة التحول عليهم.

إن المرحلة القادمة تتطلب وعيا مختلفا، ولم يعد السؤال «هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على وظيفتي؟» بل «كيف أستفيد منه لأبقى ذا قيمة في سوق العمل؟». المطلوب اليوم هو الانتقال من عقلية انتظار الاستقرار إلى عقلية المبادرة والتعلم المستمر.

ولمواكبة تحولات الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي، من المهم التركيز على تطوير المهارات التي يصعب استبدالها بالتقنيات. يشمل ذلك مهارات التفكير النقدي، والتفكير الإبداعي، وحل المشكلات، إضافة إلى مهارات التواصل والعمل الجماعي. كما ينبغي الاستثمار في التعلم المستمر واكتساب مهارات رقمية مثل تحليل البيانات واستخدام الأدوات التقنية الحديثة، وإدارة الأنظمة الذكية. متابعة التطورات التكنولوجية وفهم أساسيات الذكاء الاصطناعي يساعدان الفرد على التكيف مع التغيرات بدل أن يفاجأ بها.

كذلك ينصح بتوسيع الخبرات المهنية وعدم الاعتماد على مهارة واحدة فقط، بل بناء مجموعة مهارات متنوعة تزيد من فرص التكيف مع وظائف المستقبل. يمكن تحقيق ذلك من خلال الدورات التدريبية، والمشاريع الجانبية، والتجارب العملية. كما أن المرونة في التعلم وتقبل التغيير عاملان أساسيان للحفاظ على القدرة التنافسية في سوق العمل الذي يتغير بسرعة.

التحول قادم لا محالة، ومقاومته لن توقفه. الخيار الواقعي أمامنا هو الاستعداد المبكر، فرديا ومؤسسيا، لتحويل التحدي إلى فرصة، وضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي مساعدا للنمو لا سببا في اتساع فجوة الوظائف.