الرأي

الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهندسة حركة المدن

وليد سعد الشهري


لم تعد حركة المدن في عالم اليوم مجرد مسألة هندسية أو مرورية تقاس بأطوال الطرق وعدد الإشارات؛ إنها مرآة واسعة تكشف جودة الحياة، ونضج الاقتصاد، وتماسك المجتمع، وفعالية القرار الحضري. فالحركة اليومية التي يعيشها السكان ليست انتقالا من حي إلى آخر، بل هي «نبض المدينة»، النبض الذي يحدد قدرتها على النمو، وعلى تحقيق العدالة، وعلى خلق بيئة حضرية تشعر الإنسان بأنه جزء من مدينة تعمل لصالحه لا ضده. وكلما كان هذا النبض منتظما، كانت المدينة أكثر استعدادا لاحتضان مستقبلها بثقة.

والمدهش أن الأثر الأول للحركة لا يظهر في الطرق... بل في الاقتصاد. فالمدينة التي تقضي فيها المركبات دقائق طويلة داخل الاختناقات، هي مدينة تهدر آلاف الساعات يوميا من وقت سكانها. هذه الساعات الضائعة تتحول إلى خسائر اقتصادية لا يراها الناس لكنها تحسب بدقة؛ إذ تشير تقارير دولية إلى أن الازدحام في المدن الكبرى قد يلتهم ما بين 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. فالاقتصاد لا يتحرك إلا بقدر ما يتحرك الناس، وكل دقيقة ضائعة تخصم من الإنتاج، وتضاف إلى تكاليف التشغيل. وعندما تصبح المدينة أكثر انسيابية، ينخفض الهدر، وتزيد إنتاجية الأعمال، ويتحول الوقت من عبء إلى مورد. ولا يمكن قياس كل هذه التحولات دون بيانات مكانية دقيقة وموحدة، وهو ما يجعل دور الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA عنصرا أساسيا في فهم «تكلفة الازدحام» وحساب قيمة الانسيابية وتقدير أثر القرارات على الاقتصاد الوطني.

لكن الاقتصاد ليس سوى الواجهة الأولى للصورة. فالحركة اليومية ترسم خريطة الفرص الاجتماعية في المدينة، وتقيس مدى العدالة في توزيع الخدمات. حين يحتاج سكان حي معين إلى رحلة طويلة للوصول إلى مستشفى أو مدرسة أو مكان عمل، فإن هذا الزمن يتحول تدريجيا إلى فجوة اجتماعية. بعض الأحياء تصبح «أثقل حركة» وأقل عدالة في الوصول إلى الخدمات، بينما تتوسع الفرص في أحياء أخرى ذات شبكات أكثر سلاسة. هذا التفاوت لا يظهر في التقارير التقليدية، لكنه يكشف بوضوح عبر التحليل الجيومكاني الذي تعتمد عليه المدن الذكية. ومن دون توحيد المعايير والطبقات المكانية - وهو الدور الذي تقوده GEOSA - لن تتمكن المدينة من رؤية هذه الفوارق، ولن تستطيع معالجة جذور التباين الاجتماعي الذي تخلقه حركة غير متوازنة.

وتأتي جودة الحياة لتكون الوجه الأكثر حساسية في هذا المشهد. فالحركة ليست خدمة فقط، بل سياق يومي يحدد مزاج الإنسان وصحته ووتيرة حياته. المدينة التي ترهق سكانها في طرق مزدحمة، مهما كانت خدماتها الأخرى متقدمة، لن تستطيع أن تحقق جودة حياة حقيقية. أما المدينة التي تجعل من الانسيابية عنصرا أساسيا في التجربة اليومية، فإنها تمنح سكانها وقتا أطول للعائلة، وصحة نفسية أفضل، ونمط حياة أكثر نشاطا، وشعورا بأن المدينة شريك في يومهم لا عائق أمامه. ولعل هذا السبب جعل حركة المدن جزءا من مفهوم جودة الحياة في رؤية المملكة 2030، باعتبارها عنصرا يحدد راحة الإنسان قبل أن يكون قضية مرورية.

وما يضاف إلى ذلك هو البعد البيئي الذي كثيرا ما يغفل رغم أهميته. فحين تتباطأ حركة المركبات، تزداد الانبعاثات، ويزداد الضجيج، وتتعرض جودة الهواء للتدهور. تشير تقديرات بيئية إلى أن انخفاض سرعة المركبات يمكن أن يرفع الانبعاثات بنسبة تصل إلى 40%، وهو رقم كفيل بتغيير سياسات مدينة بأكملها. لتحسين البيئة، لا تحتاج المدينة فقط إلى تشجير أو محميات، بل تحتاج أولا إلى حركة أكثر انسيابية. فالمدينة التي تتحرك بسلاسة، تتنفس بشكل أفضل. ومعايير المراقبة البيئية اليوم تعتمد بشكل أساسي على طبقات البيانات المكانية التي توفرها GEOSA، لأن فهم جودة الهواء يبدأ بفهم كيف تتحرك المركبات وكيف تتدفق الحياة داخل المدينة.

أما الهندسة الجيومكانية، فهي الأداة التي تعيد رسم العدالة الحضرية من الأساس. فهي تكشف المناطق التي تعاني ضعفا في الوصول، وتحدد البقع الساخنة للازدحام، وتظهر المسارات التي تحتاج إلى تدخل فوري، وتتيح للمدينة رؤية تأثير كل قرار قبل تنفيذه. ومع التوأم الرقمي، يمكن للمدينة أن ترى مستقبلها كما ترى حاضرها، وأن تحاكي السنوات المقبلة قبل أن تصل. وبوجود مرجع مكاني وطني موثق تشرف عليه GEOSA، تتحول هذه الرؤية من فكرة إلى أداة تشغيلية قادرة على تغيير مشهد المدينة بالكامل.

وإذا نظرنا إلى التجارب العالمية، سنجد أن المدن التي نجحت لم تفعل ذلك لأنها بنت طرقا أوسع، بل لأنها بنت «فلسفة قرار» أعمق. سنغافورة لم تقلل زمن الرحلة لأنها توسعت في البنية التحتية، بل لأنها أعادت تعريف معنى القرار المروري. سيول لم تعالج الاختناق بإزالة طريق فقط، بل بإعادة تشكيل الفضاء الحضري كله. ولندن لم تسيطر على الذروة عبر الرسوم وحدها، بل عبر فهم السلوك الإنساني خلال التنقل. هذه المدن علمتنا أن القرار الذي يعالج الحركة... يعالج المدينة كلها.

وفي النهاية، يمكن القول إن المدينة التي تتحرك جيدا هي مدينة تعيش جيدا. فكل دقيقة تربح في الطرق، هي دقيقة تربح في الإنتاج، وفي التعليم، وفي الصحة، وفي العلاقات الإنسانية. وكل مسار يعاد تصميمه بطريقة عادلة يفتح نافذة جديدة للفرص، ويضيف طبقة جديدة من جودة الحياة.

وفي المقال الختامي القادم، سنصل إلى السؤال الأكبر: كيف تبدو المدينة التي تتنبأ، وتتكيف، وتتعلم؟ وكيف سيكون شكل حركة المدن في عام 2030 وما بعدها؟