يوم العَلم... حين يشتد الإقليم وتثبت الدولة
الاحد / 19 / رمضان / 1447 هـ - 01:50 - الاحد 8 مارس 2026 01:50
نستقبل الأربعاء القادم يوم العلم السعودي، وهو اليوم الذي ثبت بأمر ملكي كريم في 9 شعبان 1444هـ الموافق 1 مارس 2023م، ليكون يوم 11 مارس من كل عام يوما خاصا بالعلم، باسم «يوم العلم»؛ استحضارا لقيمته الممتدة منذ تأسيس الدولة السعودية عام 1139هـ الموافق 1727م، وتأكيدا للتاريخ الذي أقر فيه الوالد جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه، العلم بشكله الذي نراه اليوم، وهو يوم 27 ذو الحجة 1355هـ الموافق 11 مارس 1937م.
لم يكن أمر مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله ورعاه، إجراء تنظيميا فحسب، بل رسالة دولة تعرف رموزها وتوقرها، وتضعها في موضعها اللائق بها؛ فالعلم في تجربتنا السعودية ليس قطعة قماش ترفع، بل راية سيادة ووحدة، وعنوان كيان تأسس على معنى واضح واستمر عليه؛ وعلى مدى نحو ثلاثة قرون، ظل شاهدا على حملات التوحيد، وعلى بناء الدولة، وعلى انتقالها من طور إلى طور وهي متمسكة بجوهرها، ولذلك كان تخصيص يوم له تثبيتا لمعنى سابق، لا إنشاء لمعنى جديد.
يوم العلم هذا العام، يأتي والمنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية؛ توترات عسكرية، واصطفافات سياسية، ومخاطر سوء تقدير قد تتسع رقعتها؛ فالملف الإيراني الفارسي حاضر بثقله، وتداعياته لا تقف عند حد جغرافي، بل تتشابك مع مصالح دولية، وتحالفات متحركة، وممرات استراتيجية، وفي مثل هذه اللحظات، تتكاثر القراءات وتعلو الأصوات، ويصبح الانفعال أسرع من التروي.
غني عن القول إن الدول الراسخة لا تدار بردود فعل عاطفية، بل بحسابات دقيقة؛ فقوة الداخل هي أساس الموقف الخارجي، وبين الحزم والتهدئة مساحة واسعة تدار فيها السياسة بعقل راجح، فلا تستدرج إلى تصعيد غير محسوب، ولا تتغافل عن حماية مصالحها وأمنها.
ما زلنا في رمضان؛ وغدا نودع عشره الوسطى، وهي أيام تجدد في النفوس ضرورة تزكيتها؛ وكما نملك اندفاعاتنا، تملك الدولة الرشيدة تصرفاتها، يقينا منها أن القوة الحقيقية في ضبط الاستجابة، وفي تقديم المصلحة العامة على الحماسة العابرة، وفي أن وعي المجتمع جزء أساسي في القراءة المتأنية للأحداث، وفي رفض تحويل كل خبر إلى ساحة استقطاب داخلي؛ وهنا يعود العلم إلى مركز الاعتزاز والشموخ والتلاحم والائتلاف والوحدة الوطنية والتوحيد والعدل والقوة والنماء والرخاء.
أختم بأنه وفي أزمنة الاضطراب بالذات، يحتاج الناس إلى رمز يجمع ولا يفرق، يطمئن ولا يستفز، ويذكر بأن الدولة أكبر من أي موجة عابرة، ورفعنا العلم في يومه ليس مجرد احتفاء، بل إعلان تماسك داخلي في مواجهة أي توتر خارجي، وهو دعوة لأن يكون الانتماء سلوكا يوميا، لا مناسبة موسمية؛ ومن تمام هذا المعنى رفع العلم فوق البيوت والمقرات والمؤسسات، وأن يتخذ شعارا للانتماء المسؤول، وأن يرى في الشوارع والواجهات بوقار يليق به؛ فهو يحمل لفظا جليلا ودلالات عميقة، وفعل ذلك دعم للمشروع الذي يرمز إليه، وأقصد هنا الاصطفاف خلف الدولة، والثقة بمؤسساتها، والإسهام في نهضتها، وحين يرفرف العلم في 11 مارس وسط إقليم متوتر، فإنه حتما يبعث رسالة واضحة للقاصي والداني، أن هنا قيادة مباركة، ودولة عظيمة تعرف كيف تدير اللحظة دون أن تفقد اتزانها، وكيف تحمي مسارها دون أن تنجرف إلى ما لا يخدم استقرارها.. اللهم احفظ علينا ملكنا المفدى وسمو ولي عهده الأمين، واحفظنا لهما، وأدم عفوك وعافيتك، وجنب العالم ارتدادات المواجهات المحيطة به، ولا تمد نيران الفتن؛ فتتسع الخسارة على كل البشر.