هل انتهى التخطيط الاجتماعي في عصر الليبرالية الجديدة؟
الاحد / 19 / رمضان / 1447 هـ - 01:49 - الاحد 8 مارس 2026 01:49
شهد تطور التخطيط العمراني مسارات فكرية عدة منذ القرن التاسع عشر متأثرا بالثورة الصناعية والتطور التقني في أنظمة البناء، والاتصالات، والطاقة، والمواصلات. منذ حوالي 1930 ظهرت الليبرالية الحديثة Modern Liberalism لمحاولة إعادة تعريف الحرية من خلال تحقيق سبل العيش الكريم في المدن بعد أن أثبت السوق الحر أنه غير قادر وحده على حماية المجتمع وتحقيق العدالة، خصوصا بعد فترة «الكساد العظيم» 1929. حاولت الليبرالية الحديثة أو الليبرالية الاجتماعية تحقيق العدالة من خلال تدخل دولة الرفاه في بناء الإسكان الاجتماعي والخدمات ولكنها أرهقت الاقتصاد الوطني.
استجاب التخطيط العمراني لمشاكل الثورة الصناعية وما صاحبها من تكدس سكاني، وتهميش اجتماعي، وتلوث، وتباين في مستويات المعيشة. حاول التخطيط العمراني تطوير نموذج مادي لمعالجة هذه المشاكل الحضرية من خلال تطوير البنية التحتية والخدمات ومشاريع الإسكان الاجتماعي. ومع ذلك، أدى هذا التفكير الهندسي إن جاز التعبير إلى خلق مدن جامدة غير قابلة على التماهي مع احتياجات ساكنيها. لقد جاءت الحداثة ومشاريع روبرت موسى التكنوقراطية والسلطوية 1949 لتعزز التخطيط من الأعلى إلى الأسفل، وفي إطار لا ينسجم مع أهداف «الليبرالية الحديثة» حتى وإن عاصرتها زمنيا.
كرست هذه المشاريع المشاكل الحضرية بدلا من معالجتها، حيث أدى الفصل الوظيفي بين الخدمات إلى تفكيك النسيج الحضري، وأصبحت الأحياء السكنية مجرد مناطق للاستقرار السكني وليست حاضنة للارتقاء بالمجتمع.
ساهمت السياسات العمرانية الحداثية في إجلاء الفقراء من أحيائهم السكنية واستبدال النسيج الاجتماعي في أواسط المدن القديمة وزيادة الفصل العنصري بين السكان. وعزز التطور في أنظمة النقل والاتصالات من استخدام السيارة فبنيت الطرق السريعة وتراجع دور المشاة، ونشأت الضواحي السكنية التي أصبحت فيما بعد مكانا مناسبا للنخب الاجتماعية بما تحويه من خدمات نوعية. بينما أصبح الإسكان الاجتماعي بمثابة مناطق تركز للفقراء والمهمشين.
ومنذ 1970 تبلورت الليبرالية الجديدة Neoliberalism لتنهي عصر التخطيط الاجتماعي فلم تعد المدينة تدار كخدمة اجتماعية؛ بل أصبح الاتجاه إلى التخصيص والسوق، وتحولت المدينة إلى مشروع استثماري. حاولت الليبرالية الجديدة معالجة الاقتصاد وتخفيف الأعباء الحكومية، ولكنها أثرت على العدالة. فعلى الرغم من ظهور العديد من الحركات والمفاهيم الداعية إلى إعادة تعريف غاية التخطيط العمراني؛ إلا أن هذا الفكر الذي كرس الآلة التقنية بقي صامدا، حيث طورت العديد من المخططات لمدن حول العالم دون استلهام قيم المجتمع، والثقافة، والموارد المتاحة.
أعادت الليبرالية الجديدة إنتاج مشاكل الحداثة ليس عبر هدم المساكن وحركات التجديد العمراني كما كانت؛ بل بارتفاع أسعار الأراضي والإسكان، حيث أصبحت المدينة موجهة للسوق وأصبح التخطيط العمراني أداة لتعظيم الاستثمار العقاري. أصبح منطق القيمة العقارية يهمين على التخطيط العمراني أكثر من القيمة النفعية، وعاد التخطيط الاجتماعي كاتجاه خجول لمقاومة آلة التطوير العقاري دون أن يكون له تأثير ملموس.
اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي بدأ التحول التدريجي نحو بناء البنية الذكية، وأنظمة النقل المتعددة والبيانات الرقمية. كانت المدينة كيانا ماديا، وأصبحت كيانا استثماريا، ويمكن أن تصبح كيانا تقنيا. وهكذا، يمكن أن نعيد أخطاء الماضي نفسها إذا حاولنا الاعتماد على التقنية وحدها دون ربطها بإطار حوكمة عادل يعيد بوصلة السياسات العمرانية باتجاه «المصلحة العامة».
باختصار، علينا أن نعمل لنعيد تعريف المدينة كـ«مشروع اجتماعي» يتكيف مع الاقتصاد وليس كـ«مشروع استثماري» أو «مشروع تقني». ولكن، لا يمكننا بناء مدينة يعيش فيها الناس سعداء، لأننا نتمنى ذلك دون أن ندرك أولا لماذا نحن نستحق العيش؟