الشيخ جميل الحجيلان وسيرة السبعة ملوك
الاحد / 19 / رمضان / 1447 هـ - 01:46 - الاحد 8 مارس 2026 01:46
مع أني ما زلت في منتصف طريق جزأي سيرة الشيخ جميل الحجيلان الثرية (كل جزء من 750 صفحة) (طباعة شركة رف للنشر)، إلا أني وجدتني غير قادرة على الانتظار أكثر لتسجيل ملاحظاتي ونقاط هذه السيرة المضيئة التي عنونها بأنها سيرته مع سبعة ملوك ابتداء من الملك عبدالعزيز نفسه وحتى الملك سلمان، وقد بلغ شيخنا الفاضل المئة عام هجرية وقريبا منها بالميلادية أطال الله في عمرهما. ولا أعتبر كتابتي لهذه العجالة اليوم استعجالا وإنما حتى أستوعب ما مر بي وأنا أقرأ سنوات عم جميل الثرية التي تتميز بصراحته وشفافيته في تناول أخص شؤون أسرته. فقد كانت الإحاطة التاريخية بالأحداث والأماكن التي مر بها وسكنها وبلغه طرف من تاريخها لا تقدر بثمن. هذا التوثيق الذي لا يستغني عنه أي دارس لتاريخ المملكة الحديث في سيرتها الشفهية عبر تسعة عقود، هذا وأنا لم أقطع معه بعد سوى بضعة منها. شهادته على كل ما مر بالعالم العربي خلال هذه الفترة التي صدف وكان طرفا فيها مدهشة بالفعل، وأتعب وأنا أكرر كم هي ثمينة. فضلا عن مواقفه المتقدمة في النظرة لتنمية الوطن ومجتمعه لا سيما فيما يختص بالمرأة والتعليم، سواء كعقيلاتي أو كسفير فيما بعد، فقد تنقل جميل الحجيلان في عواصم العالم في لحظات حرجة من تاريخها، وكمقرب من السلطة تولى مناصب حساسة منذ وقت مبكر من مسيرته العملية، سواء كانت إدارات أو وزارات أو أمانة مجلس التعاون الخليجي.
ولعل ما استوقفني ومنذ الصفحات الأولى هو تصوير عدد من شخصيات أسرته النسائية التي تركت بصمتها عليه، أولها أمه الصابرة، وثانيهما جدته الفاضلة ذات البأس الشديد. فطفولته الأولى كانت محاطة بجدته وأمه، بينما لا يظهر والده إلا في فترات محدودة كما هو حال العقيلات في بداية القرن العشرين. وتمثل أسرته إحدى أبرز نتاجات هذه الظاهرة الاجتماعية التي تنفرد بها منطقة القصيم، حيث يسافر شبابها ورجالها لسنوات طويلة في طريق الرزق إلى الشام ومصر والعراق، تجارا للجمال والخيول بشكل رئيس، يستقرون ويتنقلون، يتزوجون بها، ينجبون ويمضون، فنجد لهم أسرا في تلك البلاد كما لهم أخرى في بريدة وعنيزة وغيرها. فاعتبرت عائلات العقيلات دوما الحاملة للمزيج الثقافي للجزيرة العربية مع شقيقتها الشامية أو المصرية، لكنها حملت أيضا آلام أطفالها وصراعهم مع الغربة والاختلاف والاندماج وبعد الآباء والعزوة. وقد حمل جميل الصغير في ذاكرته قصصا مريرة من الإحساس بالغربة في دير الزور، حيث كانت تحت الانتداب الفرنسي الذي أذاقهم الويل. استوقفتني هذه المحطة الأولية لما حملت من تكثيف ذكرياتي، يتناول جزءا من العالم العربي المستعمر والحركات القومية والنضالية التي كانت تصل أخبارها لدى هؤلاء الأطفال ومعها استنفار المشاعر الوطنية والاعتزاز بالعروبة من خلال النصوص الأدبية والتعبيرية التي كانت تلهم الطلبة في المدارس مع انهيال التحولات في العالم القريب، فليس ببعيد كانت حرب 1948 والنكبة التي قلبت موازين منطقة الشام والعالم المحيط. إن كل محطة من محطات جميل الصغير تستحق مجلدا مستقلا، فمرحلة دير الزور كانت ثرية في اتصالها بثقافات متعددة، منها عرب الدير، ومنها أرمن الدير الذين لجؤوا إليها في 1914 مع حركة التهجير الجماعي والإبادة الأرمنية التي اقترفتها الدولة التركية الحديثة في امتداد لما كانت تقوم به الدولة العثمانية بين الحين والآخر، والتي نتج عنها مقتل قرابة مليون أرمني في الصحراء السورية بين الجوع والعطش والقتل والسلب، وكانت دير الزور وجهتهم الإجبارية فاستقر بها من نجا، ووجدوا في أهل دير الزور المساند لهم. كذلك كان ثريا ما تناوله عن التعليم في تلك الفترة من الثلاثينات والأربعينات تحت الاستعمار الفرنسي وما يقابله من مقاومة ثقافية من خلال النص العربي والحرف العربي والشعر العربي والذي جعل الصغير جميل يتمكن فيهم فضلا عن لغة المستعمر التي كانت إجبارية فأصبحت مكسبا له عبر السنين لا سيما بعد، وهو يجد نفسه سفيرا لبلاده لدى هذا المستعمِر السابق.
ولعل ما استوقفني ومنذ الصفحات الأولى هو تصوير عدد من شخصيات أسرته النسائية التي تركت بصمتها عليه، أولها أمه الصابرة، وثانيهما جدته الفاضلة ذات البأس الشديد. فطفولته الأولى كانت محاطة بجدته وأمه، بينما لا يظهر والده إلا في فترات محدودة كما هو حال العقيلات في بداية القرن العشرين. وتمثل أسرته إحدى أبرز نتاجات هذه الظاهرة الاجتماعية التي تنفرد بها منطقة القصيم، حيث يسافر شبابها ورجالها لسنوات طويلة في طريق الرزق إلى الشام ومصر والعراق، تجارا للجمال والخيول بشكل رئيس، يستقرون ويتنقلون، يتزوجون بها، ينجبون ويمضون، فنجد لهم أسرا في تلك البلاد كما لهم أخرى في بريدة وعنيزة وغيرها. فاعتبرت عائلات العقيلات دوما الحاملة للمزيج الثقافي للجزيرة العربية مع شقيقتها الشامية أو المصرية، لكنها حملت أيضا آلام أطفالها وصراعهم مع الغربة والاختلاف والاندماج وبعد الآباء والعزوة. وقد حمل جميل الصغير في ذاكرته قصصا مريرة من الإحساس بالغربة في دير الزور، حيث كانت تحت الانتداب الفرنسي الذي أذاقهم الويل. استوقفتني هذه المحطة الأولية لما حملت من تكثيف ذكرياتي، يتناول جزءا من العالم العربي المستعمر والحركات القومية والنضالية التي كانت تصل أخبارها لدى هؤلاء الأطفال ومعها استنفار المشاعر الوطنية والاعتزاز بالعروبة من خلال النصوص الأدبية والتعبيرية التي كانت تلهم الطلبة في المدارس مع انهيال التحولات في العالم القريب، فليس ببعيد كانت حرب 1948 والنكبة التي قلبت موازين منطقة الشام والعالم المحيط. إن كل محطة من محطات جميل الصغير تستحق مجلدا مستقلا، فمرحلة دير الزور كانت ثرية في اتصالها بثقافات متعددة، منها عرب الدير، ومنها أرمن الدير الذين لجؤوا إليها في 1914 مع حركة التهجير الجماعي والإبادة الأرمنية التي اقترفتها الدولة التركية الحديثة في امتداد لما كانت تقوم به الدولة العثمانية بين الحين والآخر، والتي نتج عنها مقتل قرابة مليون أرمني في الصحراء السورية بين الجوع والعطش والقتل والسلب، وكانت دير الزور وجهتهم الإجبارية فاستقر بها من نجا، ووجدوا في أهل دير الزور المساند لهم. كذلك كان ثريا ما تناوله عن التعليم في تلك الفترة من الثلاثينات والأربعينات تحت الاستعمار الفرنسي وما يقابله من مقاومة ثقافية من خلال النص العربي والحرف العربي والشعر العربي والذي جعل الصغير جميل يتمكن فيهم فضلا عن لغة المستعمر التي كانت إجبارية فأصبحت مكسبا له عبر السنين لا سيما بعد، وهو يجد نفسه سفيرا لبلاده لدى هذا المستعمِر السابق.