الرأي

الفوضى التي تُنجب مزيداً من الفوضى

شاهر النهاري
حين تندلع الحروب الكبرى، لا تبقى حدودها كما رُسمت على الخرائط. والحرب التي تدور اليوم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مواجهة محصورة بين طرفين محددين، بل تحولت إلى حالة من الفوضى الإقليمية التي تتسع دوائرها يوماً بعد يوم. وما بدأ كصراع عسكري مباشر سرعان ما تمدد ليطال فضاءات جغرافية بعيدة عن مركز القرار، حتى وصلت أصداؤه إلى بلدان في شرق المتوسط مثل قبرص واليونان، وإلى دول عربية عدة مثل لبنان وسوريا والعراق والأردن، فضلاً عن دول الخليج العربي التي وجدت نفسها في قلب هذه العاصفة رغم علاقاتها الطيبة مع مختلف الأطراف.هذه الحالة تمثل نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته “الفوضى التي تُنجب الفوضى”. فحين تختلط الجبهات وتتعدد الأطراف وتتشابك المصالح والخصومات، يصبح من الصعب تحديد من يضرب من، ومن يرد على من. الصواريخ والمسيّرات تملأ الأجواء، والبيانات الرسمية تتضارب، والاتهامات تتنقل بين الأطراف، حتى تبلغ الأمور درجة من الالتباس قد تقود إلى التورط غير المقصود.دول كبرى مثل السعودية تملك الإمكانات العسكرية والسياسية التي تمكنها من الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الانزلاق الكامل إلى هذه الحرب قد يفتح أبواب فوضى يصعب إغلاقها. ولذلك تحاول إدارة الموقف بحسابات دقيقة توازن بين ضرورة الردع والحفاظ على الاستقرار، وبين حماية أراضيها وعدم الانجرار إلى صراع مفتوح قد يبتلع المنطقة بأكملها.أما الدول الأصغر حجماً، فإنها تواجه التحدي ذاته بإمكانات أقل ومساحة مناورة أضيق، كونها لم تبنِ سياساتها على منطق الحرب. غير أن الفوضى المشتعلة لا تميز بين دولة كبيرة أو صغيرة، ولا بين من شارك في الحرب ولا من حاول الابتعاد عنها.ومن أخطر مظاهر هذه الفوضى أن بعض الضربات التي تقع تُنسب أحياناً إلى أطراف غير واضحة، أو لم يثبت تورطها المباشر. وهنا يكمن الخطر الأكبر: فماذا لو ردت دولة ما على طرف اتُّهم بالهجوم دون أن يكون هو الفاعل الحقيقي؟ وعندها يتحول الالتباس إلى شرارة صراع جديد، تتسع معه دائرة الحرب وتتشابك الجبهات أكثر فأكثر.إسرائيل وإيران، بحكم تعودهما للصراع، تمتلكان منظومات مراقبة وقدرات ردع متقدمة، وغالباً ما تتعاملان مع الضربات وفق منطق الرد السريع على الطرف المقابل. غير أن هذا المنطق ذاته قد يسهم في توسيع رقعة المواجهة، في إطار تصفية الحسابات غير المباشرة.والخطر الحقيقي في استمرار هذه الفوضى لا يكمن فقط في الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بل في التحولات الاستراتيجية. فالدول التي لم تكن تفكر يوماً في سباقات التسلح قد تجد نفسها مضطرة لتعزيز قدراتها العسكرية أو الاستعانة بقوات أجنبية لحماية أراضيها، وهو ما قد يغير التوازنات الإقليمية لعقود طويلة.ولهذا فإن إنهاء الحرب الحالية بات ضرورة ملحة عبر تفاهم سياسي واضح بين القوى المتصارعة، يضع حدوداً للصراع ويمنع اتساعه. فالتفاهم بين إيران والولايات المتحدة، وما قد يترتب عليه من ترتيبات مع إسرائيل، قد يكون الطريق الوحيد لوقف هذا التمدد الخطير.فمنطقة الخليج لا تحتاج إلى مزيد من الصواريخ، بقدر ما تحتاج إلى وقفة عقل تعيد ترتيب الأولويات وتحفظ للمنطقة استقرارها ومستقبل شعوبها.