الحرب الإيرانية - الأمريكية: محاولة لزعزعة استقرار الخليج وتحميله كلفة الصراع
الخميس / 16 / رمضان / 1447 هـ - 09:48 - الخميس 5 مارس 2026 09:48
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة دقيقة من التصعيد غير المسبوق، في ظل المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تحولت من توتر سياسي إلى صراع عسكري مفتوح، بات يعرف بالحرب الإيرانية-الأمريكية. هذه الحرب لم تقتصر تداعياتها على طرفيها المباشرين، بل امتدت لتضع دول الخليج في قلب المعادلة، في محاولة واضحة لتحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة، وتحميلها تبعات معركة لم تكن طرفا فيها.تشير مجريات الأحداث إلى وجود مساع ممنهجة لزج دول الخليج في هذه المواجهة، عبر توسيع رقعة الاستهداف والضغط السياسي والعسكري. فبدل أن تبقى الحرب محصورة بين واشنطن وطهران، جرى نقلها عمدا إلى محيط الخليج، في محاولة لإرباك أمنه واستنزاف استقراره، وتحويله إلى ورقة تفاوض في الصراع الدولي.ويأتي هذا الاستهداف في وقت نجحت فيه دول الخليج، منذ عام ديسمبر 2010م، في تجاوز تداعيات الربيع العربي، والحفاظ على استقرارها السياسي والاجتماعي، في محيط إقليمي شهد انهيارات وصراعات داخلية واسعة. هذا الاستقرار جعل الخليج نموذجا مختلفا في المنطقة، وأثار في الوقت نفسه انزعاج بعض الأطراف التي تسعى اليوم إلى زعزعته عبر بوابة الحروب والأزمات.وفي هذا السياق، برزت الاعتداءات التي طالت مناطق سكنية ومنشآت مدنية داخل بعض دول الخليج، والتي لا يمكن تبريرها بأي منطق سياسي أو عسكري. فلو كان الهدف الحقيقي هو المصالح الأمريكية أو قواعدها، لتم استهدافها بشكل مباشر. أما توجيه الضربات نحو المدنيين والمباني السكنية، فيعكس فشلا سياسيا وأخلاقيا، ومحاولة مكشوفة لبث الخوف والضغط على المجتمعات الآمنة.ورغم هذه الاستفزازات، التزمت القيادات الخليجية بسياسة ضبط النفس والصمت النسبي، في موقف محسوب يعكس وعيا استراتيجيا، لا ضعفا أو ترددا. فقد حرصت هذه الدول على عدم منح إيران فرصة لاستخدامها كورقة ضغط في صراعها مع الولايات المتحدة، مفضلة حماية أمن المنطقة ومنع انزلاقها إلى مواجهة شاملة.كما سبق لدول الخليج أن أعلنت بشكل واضح رفضها استخدام أراضيها أو أجوائها في أي هجوم على إيران، تأكيدا لنهجها القائم على عدم التصعيد. ورغم هذا الموقف المتوازن، بادرت طهران باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة ضد دول الخليج، في تناقض صارخ مع خطابها المعلن، ما عزز الشكوك حول نواياها الحقيقية في إدارة هذا الصراع.وقبل اندلاع المواجهات، صدرت تصريحات رسمية من مسؤولين إيرانيين تؤكد نيتهم «رفع كلفة الحرب» عبر استهداف دول الخليج، باعتبار أن الخصم الرئيسي بعيد جغرافيا. هذه التصريحات كشفت عقلية نقل الصراع إلى أطراف ثالثة، وتحميلها عبء المواجهة بدل تحمل المسؤولية المباشرة.وتصاعد التوتر بشكل خطير مع التهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف السفن العابرة له، ما أدى إلى اضطراب الملاحة الدولية وخلق أزمة في أسواق الطاقة العالمية. هذا التهديد أظهر استعداد إيران لاستخدام الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد كورقة ضغط سياسية، دون اعتبار لتداعيات ذلك على الاستقرار الدولي.وفي مرحلة لاحقة، أدى مقتل علي خامنئي وعدد من القادة الإيرانيين إلى حالة ارتباك داخل مراكز القرار في طهران، انعكست في سياسات أكثر اندفاعا وتوترا. وبدل احتواء الأزمة، جرى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل دولا أخرى في الإقليم، في محاولة لتعويض الخسائر الداخلية عبر التصعيد الخارجي.ولم تقتصر تداعيات هذا النهج على دول الخليج، بل امتدت لتشمل تركيا والعراق والأردن وسوريا، ما حول الصراع إلى أزمة إقليمية مفتوحة، تهدد الأمن الجماعي في الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة يصعب احتواؤها.وفي مقابل ذلك، تمتلك دول الخليج قدرات دفاعية متقدمة تمكنها من الرد على أي اعتداء، لكنها اختارت التريث وعدم الانجرار إلى حرب مفتوحة، حفاظا على استقرار المنطقة ومصالح شعوبها. وقد أبقت في الوقت نفسه على أعلى درجات الجاهزية العسكرية والأمنية، تأكيدا على أن ضبط النفس لا يعني التفريط في السيادة أو الأمن الوطني.ختاما، تكشف الحرب الإيرانية-الأمريكية حجم التحديات التي تواجه المنطقة، وتبرز محاولات واضحة لتحويل الخليج إلى ساحة صراع بالوكالة. ورغم الضغوط والاستفزازات، واصلت دول الخليج التمسك بسياسة الحكمة والعقلانية، واضعة أمن شعوبها واستقرارها فوق كل اعتبار. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي القيادات وتماسك المجتمعات، لإفشال كل المخططات التي تسعى إلى جر المنطقة نحو الفوضى، والحفاظ على الخليج واحة استقرار في محيط يزداد اضطرابا.sths83@