في عين العاصفة.. من جديد
الأربعاء / 15 / رمضان / 1447 هـ - 07:58 - الأربعاء 4 مارس 2026 07:58
حين نشاهد اليوم ما يجري في المنطقة، يصعب ألا نتذكر د. غازي القصيبي رحمه الله وهو يكتب قبل أكثر من ثلاثة عقود تحت عنوانه الشهير في صحيفة الشرق الأوسط: «في عين العاصفة»، يومها كانت المنطقة تواجه خطرا عظيما تمثل في اجتياح العراق للكويت وتهديد أمن الخليج كاملا، وكانت حينها تدور الأسئلة نفسها التي يطرحها المشاهد اليوم للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى: ماذا يحدث حين يقترب الخطر من حدودنا؟ وكيف نحمي أوطاننا من نار لا تكتفي بمكان واحد؟ وكيف تبقى الكلمة مسؤولة في زمن الارتباك؟القصيبي في تلك المقالات لم يكن يكتب بروح المعلق على الأحداث فقط، بل بروح الوطني الذي رأى مبكرا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في صوت الصواريخ وحدها، بل في ما تجره الحروب من فوضى وارتباك ومحاولات لتشويش البوصلة الأخلاقية والسياسية. كان يرى أن الأزمات الكبرى لا تختبر قوة الجيوش فقط، بل تختبر أيضا صلابة الموقف، ووضوح الرؤية، وقدرة الدولة والمجتمع على التماسك حين تشتد العاصفة.وهذا بالضبط ما يجعل كتابته تبدو قريبة من حاضرنا. فاليوم أيضا لا تقف المنطقة أمام مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أمام مشهد مفتوح على احتمالات خطرة، تتداخل فيه الحسابات الدولية بالإقليمية، وتمتد فيه آثار الحرب إلى الخليج وأمنه واستقراره وحياة الناس فيه. وكأن الرسالة التي كتبها القصيبي بالأمس لا تزال صالحة للقراءة اليوم: أن الوطن في أزمنة الاضطراب لا يحتاج إلى المزايدات، بل إلى العقل؛ ولا إلى الانفعال، بل إلى الثبات؛ ولا إلى الضجيج، بل إلى كلمة تعرف متى ترفع المعنويات ومتى تحرس الوعي.لقد تغيرت أسماء الفاعلين الذين كان يكتب عنهم القصيبي رحمه الله، وتبدلت الأسلحة، وتطورت وسائل الحرب، لكن جوهر الخطر لم يتغير كثيرا: حين تضطرب المنطقة، يصبح بقاء الأوطان آمنة ومتزنة هو القضية الكبرى. ومن هنا، فإن استدعاء غازي القصيبي اليوم ليس حنينا إلى الماضي، بل تذكير بأن الأوطان التي تنجو من العواصف ليست فقط تلك التي تمتلك القوة، بل تلك التي تمتلك معها الحكمة.وفي مثل هذه اللحظات، يبقى وعي المواطن واصطفافه خلف قيادته من أعظم عناصر القوة الوطنية. فحين يكون المواطن مدركا لحجم التحدي، ثابتا في موقفه، ملتفا حول وطنه وقيادته، فإن ذلك يمنح الدولة صلابة إضافية، ويجعل الجبهة الداخلية أكثر تماسكا في مواجهة كل اضطراب. فالأوطان لا تثبت في وجه العواصف بقوة السلاح وحده، بل أيضا بوعي أبنائها، وثقتهم، ووحدتهم، وإيمانهم بأن سلامة الوطن واستقراره مسؤولية يشترك فيها الجميع.حفظ الله وطننا الغالي، وحفظ دول الخليج من كل سوء، وأدام على المنطقة والعالم الأمن والاستقرار.