احتمالات مستقبل الحرب
الثلاثاء / 14 / رمضان / 1447 هـ - 15:05 - الثلاثاء 3 مارس 2026 15:05
حين ننظر إلى المواجهة المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فإننا لا نكون أمام حرب تقليدية ذات جبهات واضحة، بل أمام صراع حياة أو موت متعدد الطبقات، تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والردع بالهيبة، والرسائل العسكرية بالحسابات السياسية الداخلية والخارجية.
دول الخليج تضررت، وأسواق الطاقة وطرق النقل والتجارة حارت، وامتد القلق إلى معظم عواصم العالم.
فأول الاحتمالات المنطقية هو بقاء الحرب ضمن إطار «الاشتباك المحسوب».
ضربات متبادلة، استهدافات دقيقة، رسائل استقواء دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهذا يقودنا لحرب استنزاف ربما تطول لأسابيع أو أشهر، على أمل تدخل وساطات إقليمية أو دولية تفرض تهدئة مرحلية تحفظ ماء الوجه للجميع.
الاحتمال الثاني هو الانزلاق التدريجي إلى توسع إقليمي، بأن تتدخل أطراف خليجية وترد على الاعتداءات على بلدانها مباشرة، ما يجعل السهام أكثر والجراح أعمق، وربما تنخرط قوى عالمية عبر أذرعها العسكرية أو بالدعم اللوجستي، مشعلة النيران في البحر والجو والبر، وتعقيد المجال السيبراني وتداخلات الفضاء الاستخباراتي.
وفي هذا السيناريو سيزداد تعطيل الملاحة الدولية، وترتفع أسعار الطاقة، ويتحول الشرق الأوسط إلى ساحة حروب وشد بين قوى كبرى، وتنازع المصالح والهيمنة في الشرق الأوسط.
الاحتمال الثالث، وهو الأخطر، بتدمير البنية التحتية، ونسف منشآت الطاقة، والمراكز الحساسة في الدول الخليجية، وكل محصلات التطور والبناء والتنمية.
وهذا السيناريو سواء طال أو قصر أمده، فسيترك جروحا عميقة في الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي، ويجعل الضغوط الشعبية عاملا حاسما، في دول الحرب بتعدد الاحتجاجات نتيجة التعرض للمخاطر، وتراكم الأعباء الاقتصادية، أو تنامي انقسام سياسي سواء داخل إسرائيل، أو بضغط حكومي وشعبي في الداخل الأمريكي يطالب بوقف الحرب، ما سيؤدي لزوال حكومات ودول.
وهناك احتمال رابع بحدوث حادث بحري يغرق إحدى أو بعض حاملات الطائرات الأمريكية، ما سيقلب الحسابات الأمريكية، ويحول الحرب إلى غل وحقد ودمار شامل تستخدم فيه الأسلحة النووية، وتاريخ المواجهات العسكرية مليء بحروب غيرت التاريخ بغلطة، لا بخطة استراتيجية.
وبين كل ذلك يظل احتمال الحرب الباردة الساخنة قائما، وربما يتوقف القصف المباشر، ويحل عنه الاستنزاف اللحظي، وعبر العقوبات، وتمادي الاغتيالات الواضحة وغير المعلنة، وتعقيدات الحروب السيبرانية، ودعم الحلفاء بالوكالة، ما يؤدي لحرب لا تنتهي فعليا، بل تتحول إلى تذبذب ومناوشات عنيفة ومؤامرات وحالة غدر مزمنة ترهق الجميع دون إعلان نهاية رسمية.
أخيرا، فهناك احتمال حدوث تجميد كامل للصراع بصفقة كبرى تعيد ترتيب الأوراق، عبر تنازلات متبادلة، وإعادة إحياء مسارات دبلوماسية كانت مجمدة.
وهذا الاحتمال يحتاج نزاهة منطقية، وإرادة سياسية شجاعة ووساطة وضغط دولي ناجع.
وبين عشوائية المنطق واللا منطق، تبقى الحقيقة المريرة أن المنطقة تقف على حافة احتمالات مفتوحة الخطورة.
وكل احتمال يحمل في داخله بذور نقيضه، وكل خطوة تفتح بابا غير مدرك.
وهنا لا يعود السؤال من ينتصر؟ بل كم سيدفع الجميع؟ وخصوصا دول الخليج من أثمان باهظة في الأنفس والمقتنيات والرؤية والتنمية، وبما عودتنا الحروب الكبرى بأنها لا تترك رابحين بصيغة الكمال، بل تترك مجاميع خراب وتخلفا وشتاتا وضياعا وخرائط مثقلة بالندوب.