رقصة الموت الأخيرة
الثلاثاء / 14 / رمضان / 1447 هـ - 15:01 - الثلاثاء 3 مارس 2026 15:01
المنطقة تقف على برميل بارود. التصعيد يلوح في الأفق. يبدو أن الحوار والدبلوماسية أسلوبان عادا خطوات للوراء. يتضح أن البعض يفضل لغة الصواريخ والمسيرات، وخلط الأوراق، وزج المنطقة في صراع غير مفيد لأحد.
صدام حسين هو آخر من تجرأ على قصف السعودية، أعني إذا وضعنا الأمر في خانة أن الاعتداء جاء من دولة لا من قبل ميليشيات الحوثي في اليمن، أو حزب الله «العراق»، الذي وجه قبل أعوام سهامه ضد المملكة.
كسرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تلك الصورة الذهنية التاريخية قبل أيام، هربا من مأزقها الداخلي والإقليمي، جراء تعنتها في عديد من الملفات، أقدمت على قصف العاصمة الرياض، والمنطقة الشرقية، بعد أن باغتتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بضربات جوية قاسية. بذلك تخلت طهران عن مبادئ حسن الجوار، وضربت بحسن النوايا الذي وضعته الرياض مسارا للتعامل معها عرض الحائط.
تناسى صانع القرار الإيراني المواقف السعودية التي سعت لتهدئة الأوضاع في المنطقة، بل ومارست ضغوطا على عواصم القرار واستخدمت نفوذها من أجل تفادي المواجهة التي حدثت، في حال فشلت المفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران.
فمواقف المملكة الثابتة والمعلنة تجاه التوترات والأزمات في المنطقة والعالم، تتمثل في تبني نهج الحلول السليمة الدبلوماسية، وتلافي التصعيد والصراعات، وتوفير الظروف الملائمة لتحقيق الأمن والاستقرار في العالم، لا الانسياق وراء البحث عن الحرب والتصعيد.
وقد أكدت الرياض أواخر يناير الماضي، على لسان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان احترامها للسيادة الإيرانية، وأنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها، في أي أعمال عسكرية ضد إيران، أو هجمات من أي جهة كانت بغض النظر عن وجهتها.
السؤال: لماذا اتخذت السعودية هذا القرار؟ لعدة أسباب. أولا: لتجنب الحرب المباشرة. ثانيا: لحماية المصالح الاقتصادية لدول الإقليم. ثالثا: دعم الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على استقلالية القرار السيادي.
ماذا بعد؟ لأن الرياض تؤمن أن استخدام أراضيها في الهجوم على أي دولة مجاورة، سواء كانت إيران أو غيرها، سيخلق حالة من حساسية الحسابات السياسية والإقليمية، التي قد تنساق خلفها شعوب المنطقة، على اعتبار أن الشارع محكوم بالعواطف وسيكولوجية الجماهير. ومن ديدن المملكة وسياق مسارها السياسي، وضع الشعوب أولا باعتبارها ثابتا لا يتغير، قبل الحكومات غير الدائمة للأبد.
ثم فإن السعودية ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتملك بالوقت ذاته قنوات اتصال إقليمية ودولية، تستطيع أن تحافظ من خلالها على هامش من المرونة السياسية، التي تعزز من صورة أن المملكة قوة إقليمية تمتاز بالعقلانية السياسية والاتزان الأخلاقي، وقد وظفت ذلك في مصلحة المنطقة أجمع بأحداث عديدة، لا يتسع المجال لذكرها.
السؤال الطارئ: هل تحتضن السعودية قواعد أمريكية ليتم تبرير قصفها؟ الجواب: لا، هناك قواعد سعودية تحتضن أمريكيين يصنفون كخبراء في الشؤون الهندسية العسكرية. وهذا برأيي يبطل الاستناد الإيراني، الذي قام عليه قرار إطلاق الصواريخ باتجاه مناطق كالرياض والشرقية.
ومن جانب مقارب، هل المواقع المدنية المأهولة بالسكان، التي طالتها آلة الحرب الإيرانية من مسيرات وصواريخ غادرة، في عديد من المدن الخليجية، تعد مناطق عسكرية أمريكية؟ بالطبع لا، على هذا الأساس يمكن فهم أن المسوغات الإيرانية واهية، وغير مقنعة.
أتصور أن القرار الإيراني في الهجوم على دول الخليج، له أهداف غير معلنة، ما هي؟ السعي لإقحام دول المنطقة في الصراع القائم بينها من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.
والأهم من ذلك بزعمي، أنها - أقصد طهران - حاولت من خلال هذه الخطوة، جر دول الخليج للدخول في أتون الصراع الدائر، لإحراجها ووضعها داعمة أو متحالفة مع إسرائيل في الحرب ضدها، ما يعطيها الحق فيما ترى أنه دفاع عن نفسها؛ بالإضافة إلى أن ذلك يسهم بنهاية المطاف باتساع مفهوم المظلومية، الذي ينتهجه المتزمتون في السياسة الإيرانية، كأسلوب يبنى عليه الكثير من الخيالات غير العقلانية.
دون أدنى شك فإن الاعتداءات الإيرانية على السعودية، عكست عدم تقديرها للمواقف التي عبرت عنها المملكة، وحاولت من خلالها احتواء الأزمة، قبل اندلاع شرارتها الأولى.
وحتما أن الجرأة على دول الخليج بالعموم، أفقدت طهران عنصر الوسيط الخليجي، الذي طالما سعى جاهدا لإعادة الجميع لطاولة المفاوضات، على حساب خيار الحرب والمواجهة العسكرية، وهذا الأمر سيزيد لا محالة من عزلة إيران في المنطقة، ويساهم بعودتها للمربع الأول.
إن انتهاج سياسة الحكمة والتروي التي تنتهجها المملكة ودول الخليج لا تعبر عن عجز، ولا ضعف، في مواجهة التهور السافر الذي أقدمت عليه طهران بحق دول، لطالما كانت الصوت المرتفع لإبعاد الذئاب المنفردة عن نهش جسدها.
يقتات البعض على الأزمات والحروب، ويعيش على ركامها الكثير، دون مراعاة أنها سبب لمزيد من الضحايا، والمشردين، وهي الباب الأوسع لتدمير الاقتصاد، وخلق أجيال تعاني من صدمات نفسية تعيش معهم لأبد الآبدين.
لن تؤدي النيران للازدهار، ولا لتحسين معيشة البشر، ولا لتعمير الأوطان، ولن ينتصر أحد حتما.. برقصة الموت الأخيرة.