السياسة اللغوية السعودية
الاثنين / 13 / رمضان / 1447 هـ - 11:49 - الاثنين 2 مارس 2026 11:49
تزامن الاحتفال بيوم تأسيس المملكة العربية السعودية هذا العام 22 / 2 / 2026م مع مناسبة وطنية سعيدة اكتملت بها مسيرة المملكة العربية السعودية المشرفة في العناية باللغة العربية، ألا وهي إقرار السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية في 15 / 8 / 1447هـ-3 / 2 / 2026م؛ إذ تحولت منصات التواصل الاجتماعي ووسائله عقب نشر القرار إلى ما يشبه العرس الوطني الذي توجت فيه اللغة العربية عروسا بصدور هذا القرار التاريخي وسط فرحة عارمة من الشعب السعودي، تجلت في تناقل صورة القرار ومنطلقاته، ومبادئ السياسة الوطنية للغة العربية في تلك المنصات، والتعليقات على القرار، ولا سيما في منصة (X) التي أظهرت مدى التعطش لقرار رسمي سيادي ملزم بإقرار السياسة الوطنية للغة العربية، وهذا القرار يعد إعلانا صريحا وقوة تنفيذية لسياسة المملكة اللغوية المدرجة ضمن السياسة العامة للمملكة؛ فقد نصت المادة الأولى من المبادئ العامة في الباب الأول من النظام الأساسي للحكم السعودي على أن 'المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض'، ولم تكن تلك المادة الوحيدة الخاصة باللغة العربية في نظام الحكم؛ فقد توالت المواد الخاصة بالعناية باللغة العربية والحفاظ عليها وتمكينها في المجالات المختلفة في بقية الأبواب والمبادئ التي تضمنها نظام الحكم السعودي؛ وكانت الأساس الذي انبثقت منه سياسات التخطيط اللغوي للغة العربية في المملكة في تلك المجالات؛ لتأتي رؤية المملكة 2030 مؤكدة تلك السياسة اللغوية الواضحة؛ فتعد اللغة العربية أحد أركان تشكيل هوية المواطن السعودي، معتمدة تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية لدى أبناء هذه الأرض المباركة.أحد الأهداف الاستراتيجية التي تنبثق من المحور الأول من محاور الرؤية 'مجتمع حيوي' وينص على 'المحافظة على الهوية الوطنية وتعزيزها ونقلها إلى الأجيال القادمة من خلال غرس المبادئ والقيم الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني، والمحافظة على تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني، والتعريف به، والعناية باللغة العربية'، ولتعتمد العمق العربي والإسلامي بوصفه الركيزة الأولى من ركائز الرؤية، وهو ما تشكل اللغة العربية الهوية الجامعة فيه حجر الأساس، إضافة إلى العناية الرسمية الدائبة باللغة العربية والمتجددة والمواكبة من ولاة الأمر منذ تأسيسها وإلى هذه اللحظة، متمثلة في القرارات الخاصة باللغة العربية على الصعيدين المحلي والعالمي؛ وهو ما حدا بمركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية سابقا وللتخطيط والسياسة اللغوية حاليا، المنضوي تحت لواء مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية إلى جمع تلك القرارات الخاصة باللغة العربية في المملكة، الهادفة إلى تمكين اللغة العربية والحفاظ عليها وتأمينها داخليا وخارجيا، والممثلة للسياسة اللغوية للمملكة في مدونة خاصة بقرارات المملكة العربية السعودية الخاصة باللغة العربية في خطوة تأصيلية حفظت للغة العربية مكانتها الجوهرية في اهتمام ولاة أمر هذه البلاد المباركة باللغة العربية - جيلا بعد جيل - والمتمثل في عدد القرارات التي تم إصدارها والمجالات التي شملتها محليا وإقليميا وعالميا، وليس بمستغرب أن ينص أول تلك القرارات التي رصدتها المدونة الموسومة بـ'مدونة قرارات اللغة العربية في المملكة العربية السعودية الأوامر والقرارات والأنظمة واللوائح والتعاميم' - على الاعتناء باللغة العربية والمحافظة على أساليبها الفصحى ومراعاة قواعدها بتاريخ 24 / 3 / 1346هـ، وقد رصدت المدونة 149 قرارا إلى عام 1435هـ، داعية الجهات الحكومية والأفراد إلى التعاون مع المركز لاستكمال القرارات الخاصة بالعربية وتضمينها النسخة الثانية في خطوة غير مسبوقة من أجل تكوين مدونة كاملة للقرارات الخاصة باللغة العربية في المملكة العربية السعودية، واستمرت القرارات المستمدة من السياسة العامة للدولة تجاه اللغة العربية والموجهة للالتزام باللغة العربية والعناية بها في جميع المجالات تمكينا وتأمينا وتطويرا؛ لتكون مواكبة للتحولات المحلية والعالمية والمراحل الحضارية التي تشهدها المملكة والعالم أجمع، دون أن يغيب عن الأذهان أن مكانة المملكة الدينية بصفتها أرض الحرمين ومهبط الوحيين هي المنطلق الأول لعناية المملكة الفائقة باللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ استشعارا لشرف الرسالة وعظم الأمانة التي حملتها المملكة العربية السعودية.والحقيقة أن جهود المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها في العناية باللغة العربية ونشرها وتمكينها محليا وإقليميا وعالميا سواء أكانت على مستوى الأوامر والأنظمة واللوائح والتعليمات والتوجيهات والقرارات أم على مستوى الواقع الفعلي، هي جهود تاريخية في العناية باللغة العربية في الداخل والخارج، وهي وإن لم تكن في وثيقة خاصة بالسياسة اللغوية إلا أنها تمثل سياسة المملكة في العناية باللغة العربية، ثم يأتي مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الذي صدرت الموافقة السامية على تنظيمه بقرار مجلس الوزراء رقم (34) وتاريخ 13 / 1 / 1442هـ؛ ليكون النقلة الأعظم في تاريخ اللغة العربية ليس على مستوى المملكة فقط؛ بل على مستوى العالم أجمع، وينضم إليه مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للتخطيط والسياسات اللغوية، الذي تمت الموافقة السامية على تنظيمه بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (170) بتاريخ 20 / 3 / 1443هـ في خطوة رائدة استهدفت بناء السياسات اللغوية وسياسات التخطيط اللغوي بناء علميا يتضمن رصد واقع اللغة العربية ودراسته، ووضع الخطط المناسبة محليا ودوليا، ومتابعة تنفيذها وتقييمها وتقويمها، وقد أحدث ذلك تغييرا جذريا في واقع اللغة العربية على المستوى المحلي والعالمي، وفي مستوى الاهتمام بها، ولفت الأنظار إليها داخليا وخارجيا فيما يشبه الصحوة اللغوية؛ وذلك نتيجة لجهود المجمع الجبارة التي شملت السياسة والتخطيط اللغوي، والحوسبة اللغوية، والبرامج الثقافية بعيدة المدى والقريبة، والبرامج التعليمية المحلية والعالمية للناطقين بالعربية وغير الناطقين بها، ويتضمن كل مجال من المجالات السابقة مشروعات ومبادرات وبرامج متنوعة ومتجددة ومواكبة للتغيرات المحلية والعالمية، بما يخدم الهوية العالمية للغة العربية التي استمدتها من كونها لغة القرآن الكريم الكتاب العالمي الخالد الذي أرسل به خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العالم كافة، وبما يتناسب مع كونها إحدى اللغات العالمية الست في الأمم المتحدة، واللغة التي يرتكز عليها العمق العربي والإسلامي، وبما يتناسب مع كونها اللغة الرسمية للمملكة، ولغة الهوية الوطنية السعودية، ويعزز مكانتها في قلوب أبنائها ويؤمن مستقبلها للأجيال القادمة.لم تكن اللغة العربية إذًا خارج مستوى السياسة السعودية أبدا؛ بل تصدرت - كما رأينا - المادة الأولى التي هي الأساس المرجعي لكل سياسات المملكة، حيث تضمنت التعريف بالمملكة ودينها ودستورها ولغتها وعاصمتها، ومع ذلك فنحن اليوم نقف فخرا بما آلت إليه كل تلك الجهود عبر تاريخ المملكة المجيد لنحتفل بهذا الإنجاز العظيم المتمثل في إقرار سياسة وطنية رسمية صريحة ومعلنة وملزمة بتطبيقها في المجالات كافة، تجمعها بما سبق من جهود الأهداف السامية نفسها، وعلى رأسها كما جاء في نص الوثيقة 'تعزيز ريادة المملكة في الحفاظ على اللغة العربية؛ بوصفها المرجعية العالمية في اللغة العربية وموطن العربية الأول'، وتنطلق من المنطلقات التي تبنتها الدولة منذ تأسيسها وتوحيدها؛ فهي وسيلة أساسية من وسائل السيادة والوحدة الوطنية، وهي المكون الرئيس للهوية الوطنية، وأهم أركان الدولة أمنيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، وكذلك انطلقت من اهتمام المملكة بالأطفال والشباب الذين تعول عليهم في بناء مستقبلها وتحقيق رؤاها الطموحة، وتقوم السياسة الوطنية للغة العربية على ثمانية مبادئ مستمدة من نظام الحكم ومحاور رؤية 2030 وأهدافها، وتتجلى في مكانتها بوصفها اللغة الرسمية للمملكة، كما تتجلى في تعزيز مكانتها وتمكين حضورها وترسيخ استعمالها في المجالات المختلفة، وهي: التعليم، والبحث العلمي، والإعلام، والمشهد اللغوي في المملكة، إلى جانب مجال الأعمال العامة والخاصة وغير الربحية، والمجال الدولي، إضافة إلى المجال الثقافي والفني بما يبرز الهوية الوطنية السعودية.إن السياسة الوطنية للغة العربية تعد إنجازا تاريخيا للغة العربية لا على المستوى الوطني فحسب؛ بل على المستوى العربي والإسلامي والعالمي؛ نظرا لمكانة المملكة العربية السعودية اليوم على جميع المستويات، وما حباها الله - عز وجل - به من اصطفائها لتكون مهبط الوحيين وأرض الحرمين وقبلة المسلمين في كل زمان ومكان، والذي انطلقت منه إلى القيام بدورها الريادي في حفظ العربية وتعليمها وتطويرها ونشرها وتمكينها في الداخل والخارج، ولا سيما بعد أن توجت ذلك الدور بإنشاء مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية والجهود المشهودة التي يقدمها محليا وعالميا، إضافة إلى الدور الذي ينتظره اليوم والمسؤولية التي يضطلع بها في دعم السياسة الوطنية للغة العربية، ومتابعة تنفيذها بما يتناسب مع مبادئها ويحقق أهدافها المحلية والعالمية، وبما يتناسب مع دور المملكة الجوهري في العناية باللغة العربية.hindalimg@