الرأي

ذائقة المحتوى في الإعلام السعودي: "الرقمي" يكتسح للسرعة.. و" الرسمي" ينتصر للثقة

عبدالله علي بانخر
كشفت 'خريطة الاهتمامات الإعلامية للمجتمع السعودي لعام 2024'، الصادرة مؤخرا عن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، عن ملامح تحول جوهري في سيكولوجية استهلاك المحتوى في المملكة. فبينما فرض العالم الرقمي سطوته كـ'مسعف أولي' للخبر السريع، ظل الإعلام الرسمي السعودي متمسكا بزمام المصداقية، في مشهد يعكس نضجا لافتا في ذائقة الجمهور المحلي الذي بات يفصل بوعي بين منصات 'الرصد' ومنصات 'الفهم'.ثنائية 'السبق' و'اليقين'أظهرت نتائج الخريطة أن شبكات التواصل الاجتماعي تصدرت المشهد كوجهة أولى لمتابعة الأخبار والقضايا العامة، متقدمة على التلفزيون الذي حل ثانيا. ومع ذلك، لم يزحزح هذا التفوق الرقمي مكانة الشاشة الفضية التي استقرت كمرجع أساسي للتحليل والتفسير.وفي اختبار الموثوقية، حسم الإعلام الرسمي المعركة لصالحه؛ إذ اعتبره 80% من الجمهور مصدرا عاليا في الصدق، بينما نال الإعلام الخاص ثقة 69%، مما يثبت نجاح المؤسسات الرسمية في بناء جسر من الأمان المعلوماتي مع المواطن في زمن الأخبار الزائفة.المحلي أولا.. والترفيه 'مدفوع الثمن'على صعيد الاهتمامات، أثبت المواطن السعودي أن بوصلته وطنية بامتياز، حيث تصدر الشأن المحلي قائمة الأولويات بنسبة 84%، تلاه الاهتمام بقضايا مكان الإقامة. وفي مفارقة تعكس الوعي البيئي المتنامي، تساوت أخبار البيئة والطقس مع الشؤون العربية بنسبة 76% لكل منهما.أما في عالم الترفيه، فقد كشف التقرير عن تحول استهلاكي ضخم؛ إذ إن 68% من الأفراد لم يعودوا ينتظرون المحتوى المجاني، بل اتجهوا للاشتراكات المدفوعة بمتوسط إنفاق شهري قدره 94 ريالا. وظلت الدراما سيدة الموقف بنسبة مشاهدة 42%، في حين تراجع الشغف بمسلسلات الخيال العلمي إلى أدنى مستوياته (7%).استباق 'ذروة رمضان'.. نحو بيانات 'آنية'وفي موسم الذروة السنوي للإنتاج الإعلامي في شهر رمضان المبارك، تبرز أهمية هذه الدراسات ليس فقط كمرآة للماضي، بل كبوصلة للمستقبل. إن تطلعنا اليوم يتجاوز التقارير المبنية على 'الأثر الرجعي'، لنطمح بوجود تقارير دورية مستدامة، بل واستباقية تزامنا مع المواسم الكبرى؛ فالمنتج الإعلامي السعودي يحتاج لبيانات آنية تساعده في تشكيل محتوى يواكب التغيرات السريعة في ذائقة الجمهور قبل انطلاق صافرة الإنتاج. إن استدامة هذه التقارير هي الضمانة الوحيدة لتحويل الأرقام إلى استراتيجيات عمل ترفع من كفاءة التنافسية في سوق المحتوى الإقليمي والدولي.كلمة ليست أخيرةإن خريطة 2024 ليست مجرد أرقام، بل هي مرآة لمجتمع رقمي متسارع يطلب المعلومة بلمسة شاشة، لكنه لا يمنح ثقته الكاملة إلا لمن يملك الرصانة والصدق.وفي الختام، لا يسعنا إلا الإشادة بالجهد المتميز في صياغة هذه الخريطة؛ فشكرا لكل من ساهم في إعداد هذا التقرير من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام وشركة لومينا سباير، والذين وضعوا بين أيدينا أرقاما تعيننا على فهم الواقع واستشراف ملامح الإعلام السعودي الجديد.aabankhar@