المنطقة العمياء في الإدارة: أزمة وعي قبل أن تكون أزمة أداء
الاثنين / 13 / رمضان / 1447 هـ - 08:12 - الاثنين 2 مارس 2026 08:12
تتشكل في الإدارة زاوية خفية لا ترى من الداخل، بينما تبرز للآخرين كما لو أنها على سطح المكتب، ويظهر أثرها في تفاصيل صغيرة متكررة، كتعليمات تفهم على نحو مغاير لما قصد صاحبها، وردود فعل تقرأ بحدة لم يتعمدها، وقرارات تستقبل بوصفها متقلبة رغم ثبات نية مصدرها، وعندما تتسع هذه الزاوية يبدأ تفسير الأعطال في الاتجاه الخطأ، فتتهم الخطة أو الفريق أو الظروف، وتبقى الإشارة الأقرب غائبة عن التشخيص.وهذه الزاوية تسمى إداريا (المنطقة العمياء)، وهي جزء من سلوك المدير يدركه العاملون معه بوضوح، فيما يغيب عن وعيه المباشر، ويضعها نموذج نافذة جوهاري في مربعه الثالث ضمن أربع مناطق: الأولى ما يعرفه الفرد ويعرفه الآخرون، والثانية ما يعرفه الفرد ويجهله الآخرون، والثالثة ما يجهله الفرد ويعرفه الآخرون، والرابعة ما يجهله الجميع، وتكمن أهمية هذا المربع في الإدارة في أنه يفسر التباين بين صورة المدير عن نفسه وصورته في أعين فريقه.وبعد فهم الإطار، تتضح آلية حدوث المشكلة عمليا، فالمدير يقيس ذاته بالنية والجهد والرؤية، بينما يقيسه الفريق بالأثر اليومي على العمل، وهذه المسافة بين معيارين مختلفين تنتج سوء فهم مزمنا، وتتسلل إلى التوقعات المتبادلة، فتضعف قابلية التعاون حتى عند وجود كفاءة عالية لدى الطرفين.ثم تظهر العلامات الأكثر شيوعا للمناطق العمياء في أربعة أنماط متكررة: حزم يستقبل بوصفه قسوة، وضوح يترجم إلى غموض بسبب تعدد الرسائل، قرب يفسر على أنه تحيز لصالح دائرة بعينها، تفويض يتحول في عين الفريق إلى رقابة دقيقة تفرغ الصلاحيات من معناها، وهذه الأمثلة لا تجرم المدير، لكنها تكشف الفرق بين ما يظنه سلوكا إداريا وما يعيشه الآخرون كتجربة عمل.وتزداد المشكلة تعقيدا حين يتداخل معها تأثير دانينغ–كروجر؛ إذ قد يبالغ بعض المسؤولين في تقدير كفاءتهم لأنهم يفتقرون إلى أدوات تقييمها بموضوعية، وفي هذه الحالة تزداد الثقة الذاتية بينما تقل حساسية الإصغاء، فتتراجع القدرة على اكتشاف الخلل قبل تحوله إلى نمط، ويتكون عندئذ درع نفسي يمنع المراجعة، ويتحول النقد إلى تهديد بدل أن يكون أداة تحسين.ومن هنا تبرز قيمة الوعي الذاتي في أدبيات الإدارة التحويلية؛ ففعالية المدير ترتبط بقدرته على إدراك أثره في الآخرين قبل إصدار حكم على الآخرين، فالقادة الأكثر تأثيرا هم الأكثر قابلية لتلقي التغذية الراجعة وتعديل السلوك على ضوئها، لأنهم يديرون العلاقة مع الفريق عبر الإنصات لا عبر الافتراضات، ولهذا تتكرر في الأدبيات الإدارية الإشارة إلى ارتباط ضعف الوعي الذاتي بانخفاض الرضا الوظيفي وارتفاع التسرب، بوصفه نتيجة طبيعية لتراكم الاحتكاك غير المرئي.غير أن السؤال الحاسم يبقى: لماذا لا تصل الصورة إلى المدير في وقت مبكر؟ السبب يتصل بثقافة المؤسسة أكثر من اتصاله بشجاعة الأفراد، حين يسود الخوف من رد الفعل، تصبح المصارحة مخاطرة، وحين ترتفع هيبة المنصب دون جسور تواصل، تتحول الملاحظات إلى أحاديث جانبية، عندئذ تصل للمدير نسخة مهذبة من الواقع، وتظل النسخة الدقيقة محجوزة خارج غرفة الإدارة.ولهذا طورت المؤسسات الرائدة حلولا عملية لتقليص المنطقة العمياء دون كسر الهيبة، فتقييم 360 درجة يكشف الفجوة عبر مصادر متعددة بدل الاعتماد على رأي واحد، وثقافة (Speak Up) تعطي شرعية للاختلاف وتمنح الأفراد أمانا للتعبير، وجلسات العصف العكسي تنقل المؤسسة من التبرير إلى اختبار الفرضيات، واستبيانات الرضا المجهولة تمنع تزييف الاستجابة بسبب العلاقات المباشرة، وبهذه الأدوات يتحول الإدراك إلى بيانات، وتصبح المراجعة ممارسة منتظمة.والخلاصة أن أخطر ما يواجهه المدير ليس الخطأ، لأن الخطأ قابل للإصلاح، وإنما الغفلة عن أثره، لأنها تؤسس لنزيف هادئ يستنزف الثقة قبل أن يستنزف الأرقام، والإدارة الناضجة تبني مرآة مؤسسية تجعل الصورة واضحة قبل أن تتعقد، وتدرب نفسها على سؤال واحد يسبق القرارات واللقاءات والتقييمات: ما الذي يراه فريقي عني ولا أراه أنا؟