الرأي

حرب تستدعي المخاوف وفتح الأعين

شاهر النهاري
استيقظ الشرق الأوسط بالأمس على حرب شعواء اندلعت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

زلزال سياسي وأمني طال دول الخليج، ودول عربية، كون الجغرافيا والأحقاد حين تلتهب لا تعود تعترف بالحياد الكامل، ولا بتقاطع المصالح، ولا بالصداقات.

الجيل الخليجي الحالي، الذي لم يعش تفاصيل حرب تحرير الكويت، وجد نفسه فجأة يستعيد ما سمعه من آبائه عن تلك الأيام الثقيلة الحبلى بالكوارث؛ أيام تساقط الصواريخ على مدن الخليج، وأصوات صفارات الإنذار، والقلق الذي كان يسكن البيوت قبل الشوارع.

صحيح أن الفارق كبير بين الأمس واليوم، فتقنيات الاتصالات اختلفت، والمسيرات سادت بأعداد هائلة، والصواريخ الباليستية فرط الصوتية أصبحت تقطع المسافات بدقة وسرعة، لكن الشعور الإنساني بالخطر يبقى واحدا.

ورغم أن مسارح العمليات كانت متباعدة نسبيا، وأن أغلب الضربات ارتسمت عبر الشاشات، إلا أن أثرها النفسي كان قويا ومباشرا، ومخاوف استمراريتها وتماديها تظل واقعا.

بعض الدول المستهدفة تمكنت من صد الهجمات بفضل قدراتها الدفاعية المتقدمة، بينما شعرت أخرى بفجوة واضحة بين إمكانياتها وما يجب أن تكون عليه، ما أعاد طرح أسئلة عن جدوى التصنيع الحربي وبناء التوازن العسكري والأمن الجماعي في المنطقة.

اللافت أن دول الخليج قبل الحرب أعلنت موقفا محايدا موحدا، وسعت إلى تجنيب أراضيها وأجوائها من الانخراط المباشر في المعارك، ولكن مواقفها لم تشفع لها!

حرب كانت عنيفة طالت ضرباتها عمق الأراضي الإيرانية، واستهدفت مواقع حساسة، وانتهت باغتيال المرشد الأعلى وقياداته العسكرية، ما أدخل الشارع الإيراني في حالات قلق مفتوح على كل الاحتمالات.

وتستمر العمليات، والغموض يهدد بالقادم، في ظل نظام سياسي مغلق طالما أحاط نفسه بسياج تكتم أمني كثيف.

وتعالت الحرب في إسرائيل، وامتدت إلى قبرص باستهداف قاعدة بريطانية هناك، في مؤشر على أن رقعة الاشتعال قد تتسع إن لم تضبط إيقاعات المواجهة، ولهذا وصفت المواجهة بالحرب العالمية الثالثة، ضمن غرور وانجرار وتشابك مصالح دولية مع الحسابات المحلية، والتوريط ولو بالشبهة!

وتميزت هذه الحرب بإحجام الأذرع الإقليمية التقليدية لإيران عن التحرك، مدركة أن هشاشة الصور واللحظة قد تجعلها الخاسر الأكبر.

ولعل هذه الحرب فرصة عظيمة لإعادة التفكير في جدوى عسكرة المجتمعات، وفي ضرورة اندماج القوى المختلفة ضمن أطر وطنية تحفظ الاستقرار بدل أن تستنزفه.

وهي رؤية مقترحة لدول الخليج لتدرك إن الحضارة والعمران والانفتاح الاقتصادي الذي عاشته في العقود الأخيرة، يحتاج إلى الحماية الوطنية المتوازنة، وبما يواكب تقدم العصر، ودون أن تنزلق إلى سباق مؤامرات وتسليح منفلت.

فالقوة الذاتية ليست عدوانا، بل عوامل استقرار وردع يحفظ السلم.

والحرب، وإن بدأت بنزوة وكلمات متشنجة، ولكنها تنتهي بكلفة إنسانية اقتصادية باهظة.

حرب ضروس، ويبقى الأمل قائما بأن تكون هذه العاصفة فرصة مراجعة شاملة، تدفع نحو معرفة الصديق، وتوحيد الجهود، وتعزيز التعاون، وبناء منظومات أمنية مشتركة تحمي الثروات والإنسان معا.

فالمنطقة التي عانت طويلا من صراعات الوكالة، تستحق مستقبلا تصان فيه الكرامة بالقوة الرشيدة، ويقدم فيه العقل على صوت الصاروخ، قبل أن يتحول الحريق إلى قدر دائم لا يبقي ولا يذر.