الرأي

فخامة الجدران وهشاشة الاطمئنان

فرحان الذعذاع
قراءة في سيكولوجيا الإغراء العقاري والتنصل المتأخر

في محنة التحولات الاقتصادية الكبرى التي تجتاح العالم وفي ظل ضغوط معيشية لم تستثن جغرافيا، يقف الفرد المعاصر اليوم أمام مراجعة قاسية لقرارات مالية لم تكن نتاج اختيار محض، بل كانت نتاجا لمناخ عام من التحفيز المستمر والإغراء الممنهج من تسهيلات القروض البنكية!! ولعل المشهد العقاري هو الأبرز في تجسيد هذه المراجعة، حيث تحول المسكن من كونه مرفأ للسكينة إلى قيد مالي يرهق الكواهل ويقض المضاجع. (برغم التحذيرات المتكررة من وزارة الإسكان من الأسعار اللامقبولة ومن الاقتراض دون اعتبار القدرة الشرائية)

سلطة أمس ورهاب الفرصة الفائتة

لسنوات ضجت الساحة بعبارات مجلجلة صيغت بعناية لتداعب غريزة التملك وتستفز (رهاب الفوات) كانت عبارة (أفضل وقت للشراء هو أمس) هي المطرقة التي هشمت تروي المتردد ودفعت بالبسطاء ممن لا يملكون ترف المغامرة إلى حلبة القروض الطويلة الأمد دون احتساب دقيق لتقلبات الحياة أو تغيرات القدرة الشرائية.

إن هذا الإغراء المبطن الذي لم يقل (اشتر) صراحة بقدر ما صور الامتناع عن الشراء كخسارة تاريخية خلق حالة من الهلع العقاري أدت إلى تجاوز الكثيرين لمقاسات عباءاتهم المالية.

الآن مع ارتفاع تكاليف المعيشة في العالم نلحظ ظاهرة لافتة ومؤلمة في آن واحد وهي (التنصل الناعم)، وارتداء المشجعين مسوح الزهاد ممن كانوا يوما وقودا لهذا الحماس، لقد استبدلت لغة اغتنام الفرص بنصائح متأخرة تفيض بالاستعطاف وتدعو للتروي وتحذر من المغامرة بما يفوق القدرة الشرائية!

إن هذا النصح الذي يأتي بعد أن غرقت المراكب في بحر الالتزامات ليس إلا رثاء بعد الفاجعة ومحاولة لغسل اليد المعنوية من تبعات التشجيع السابق!! فالواقع يقول إن الاستعطاف لا يسد قسطا والوعظ المتأخر لا يعيد مدخرا نحر على مذبح (تضخم الأسعار).

السكن بين الاستحقاق والاستعراض

إن كمال العقل المالي يقتضي الإدراك بأن السكن الحقيقي ليس في مساحة الأمتار أو فخامة الواجهات بل في الأمان النفسي الذي توفره تلك الجدران؛ فالمنزل الذي يبنى من حطام الهدوء النفسي ومن قلق الميزانيات المكسورة ليس سكنا بل هو سجن بحديقة!!

لقد اكتشفنا أن معيار النجاح ليس في سرعة التملك بل في جودة العيش والقدرة على الاستمرار دون التضحية بأساسيات الكرامة المادية.

نحو وعي جديد: استعادة زمام المبادرة

إن المخرج من هذا المأزق لا يبدأ بانتظار الحلول الخارجية بل مصالحة مالية شجاعة. تبدأ بالتحرر من قيد المجاراة الاجتماعية وتنتهي بإعادة ترتيب الأولويات وفق الاستطاعة الفعلية لا وفق ما يمليه (سماسرة الأحلام) إن الأمان المالي هو (الأناقة الحقيقية) في هذا الزمن، والقدرة على موازنة الدخل والمنصرف، هي البطولة التي لا تصفق لها منصات التواصل ومشاهيرها ولكن تجني ثمارها الأسر في هدوئها واستقرارها.

ختاما، تبقى الحقائق الاقتصادية ثوابت لا تحابي أحدا، فالعاقل من جعل جدرانه سياجا لأمنه لا مقصلة لأيامه.