الرأي

استبداد الخوارزمية

باسل النيرب
في عصرنا الرقمي المتسارع أصبحت الخوارزميات التي تعود جذورها إلى اكتشافات العالم العربي أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي، محركا أساسيا للعديد من جوانب حياتنا اليومية، فبعد أن كانت مجرد مفاهيم رياضية تمثل التسلسل والاختيار والتكرار، تطورت لتصبح أنظمة معقدة تتخذ القرارات نيابة عنا، أو معنا، في كثير من الأحيان دون إدراكنا الكامل لطبيعة عملها. هذا التحول الجذري يطرح تساؤلات عميقة حول الدور المتزايد لهذه التقنيات، وكيف يمكن أن تتحول من أدوات مساعدة إلى آليات للتحكم الرقمي وانتشار الأخبار الكاذبة.ولتبسيط فهم عمل الخوارزميات فهي تأخذ مجموعة من المدخلات وتقسم المهمات إلى أجزاء متجانسة، ثم تنفذها بشكل تسلسلي خطوة بخطوة لإنتاج مخرجات محددة، وفق هذا الفهم تتكون الخوارزمية في جوهرها من تعليمات متسلسلة قد تتضمن اختيار مسار بناء على شرط معين، والتكرار إعادة تنفيذ مجموعة من الخطوات عدة مرات، هذه التركيبات الثلاثة (التسلسل، الاختيار، التكرار) هي اللبنات الأساسية التي تمكن الخوارزميات من حل المشكلات المعقدة بكفاءة.تستخدم الخوارزميات ضمن نطاق منصات التواصل الاجتماعي بشكل متزايد في المنصات، والتي تدار في الأساس من قبل شركات ربحية، إلى زيادة وقت بقاء المستخدم على المنصة لزيادة التفاعل مع الإعلانات، وبالتالي زيادة الأرباح، وهنا يبرز دور الخوارزميات في تقديم المحتوى الذي يتوافق مع اهتمامات المستخدم وتفضيلاته، مما يخلق تجربة شخصية للغاية، ومع ذلك فهذا التخصيص ليس محايدا بالضرورة؛ فالخوارزميات، بطبيعتها، تعكس التحيزات الكامنة في البيانات التي تدربت عليها وضمن الأهداف التي صممها البشر لتحقيقها، هذا الانحياز قد يؤدي إلى توجيه المستخدم نحو قرارات أو معلومات معينة، بعيدا عن الموضوعية الكاملة.وضمن تحكم الخوارزميات بشكل كبير في المحتوى الذي نشاهده ونتلقاه، يؤدي إلى ظاهرة تعرف بغرف الصدى، وهذه الغرف يتعرض من خلالها المستخدم وبشكل متكرر للمعلومات والآراء التي تتوافق مع معتقداته وتفضيلاته، بينما يتم حجب أو تقليل ظهور الآراء المخالفة أو المختلفة مما يخلق بيئة رقمية معزولة، حيث يشعر المستخدم بأن الجميع يفكرون مثله، مما يعزز قناعاته ويقلل من تعرضه لوجهات نظر متنوعة.وتتيح الخوارزميات للمستخدم الموضوع المفضل عبر صورة مشاركات لمستخدمين آخرين أو مقالات أو مواد مرئية أو مسموعة تتوافق مع ميوله، وعادة ما يضع المستخدم علامة «إعجاب» أو «إعادة نشر» للمحتوى الذي يوافق هواه، ما يدفع المنصات إلى توفير محتوى إضافي مشابه يكون صادرا من مستخدمين آخرين متوافقين معه، بالتالي كلما زاد هوس المستخدم بمحتوى المادة عبر مهاجمة الأفكار الأخرى، أو زيادة التفاعلات من مشاركة محتوى أو التعليق أو إعادة النشر بشكل متطرف ومبالغ فيه، زاد التفاعل وعدد الإعجابات والمتابعين، ما يستدعي البقاء أكثر على المنصة، وهذا يعزز من غرف صدى الصدى، ويوسع الهوة بين المستخدمين المخالفين في الرأي، بحيث إذا ما بحث شخصان عن المعلومة نفسها يحصلان على نتيجتين مختلفتين.هذا التفاعل يوفر ما يمكن تسميته باقتصاد الغضب، حيث يهيئ التفاعل البشري للخوارزمية الفرصة لالتقاط التفاعل، مما يؤدي إلى تراجع الحقيقة لصالح المحتوى المثير للجدل.وأخيرا؛ لا تمتلك الخوارزمية معيارا للصواب أو الخطأ، بل تعمل وفق معيار التفاعل، مما يجعل الأخبار الكاذبة والشائعات التي تثير المشاعر تتسلق الواجهة أكبر من الأخبار الجادة، وهذا الحياد بشكل مخيف يترك الضجيج لقيادة المشهد، لتصبح المنصات مسرحا يعلو فيه صوت الإثارة على صوت الحقيقة.