الرأي

المشهد قبل الملف

فؤاد بنجابي
في كتابه «من صفر إلى واحد» لا يروي بيتر ثييل قصة فقاعة الإنترنت بوصفها حادثة تاريخية فحسب، بل بوصفها لحظة تغير فيها تعريف النجاح، حين بدأت الشركات الناشئة تتنافس على إقامة أفخم حفلات الغداء، بينما كانت الصفقات الحقيقية أقل حضورا من المشهد المحيط بها. شركات تخسر المال وتبرر ذلك بأنها تنمو، ومؤسسون يتركون وظائف مستقرة لإدارة عدة مشاريع في آن واحد، وملاك أسهم يحاولون دفع فواتير بسيطة بحصص في شركاتهم. لم يكن أحد يرى نفسه غير عقلاني. الجميع كان يتصرف وفق منطق جديد، منطق صاغه السوق في لحظة حماس جماعي.ثييل لا يهاجم الطموح، بل يحذر من شيء أدق، من اللحظة التي يتقدم فيها المشهد على الجوهر، حين تصبح الصورة معيارا للنجاح، وحين يعاد تعريف العقلانية بحيث تبرر الخسارة باسم المستقبل، ويعزى الخلل إلى السوق لا إلى النموذج. هذه الفكرة، وإن ولدت في سياق شركات التقنية، ليست حكرا عليها. هي نمط يتكرر كلما تغير ترتيب الأولويات داخل أي قطاع مهني. والسؤال الذي يستحق الطرح اليوم ليس عن وادي السيليكون في التسعينيات، بل عن مهنة يفترض أنها تقوم على الدقة والانضباط، مهنة القانون.هل يمكن أن نعيش لحظة «المشهد قبل الملف» داخل قطاع المحاماة؟في السوق القانوني، الثقة عنصر محوري، والمظهر قد يكون أحد أدوات بناء الثقة. فالعميل الذي يدخل مكتبا منظما وأنيقا يشعر بقدر من الاطمئنان، والحضور المهني المتقن يعزز الانطباع بالكفاءة. لا يمكن إنكار هذه الحقيقة. لكن الإشكالية تبدأ حين يتحول المظهر من أداة مساندة إلى معيار تقييم داخلي، وحين يصبح الإنفاق على الصورة جزءا ثقيلا من هيكل التكاليف لا ينعكس بالضرورة على جودة الخدمة القانونية.يمكن رصد أنماط معينة، سباق غير معلن نحو السيارات الفاخرة، مكاتب بديكورات تتجاوز الحاجة الوظيفية، اهتمام مفرط بالتفاصيل الخارجية، حفلات عشاء فخمة تعامل كجزء من معادلة النفوذ، حضور اجتماعي يركز على الهيبة أكثر من المنهجية. هذه المظاهر ليست خطأ في ذاتها، لكنها تصبح إشكالية عندما تترجم ضمنيا إلى مؤشر كفاءة، أو عندما تدرج تكلفتها في تسعير الخدمة دون أن تضيف قيمة قانونية حقيقية للعميل.هنا يتقاطع المشهد مع ما وصفه ثييل. في فقاعة الإنترنت كانت الخسارة تبرر بأنها نتيجة مرحلة نمو، أو ضعف مؤقت في السوق، أو تأخر في نضوج النموذج. وفي بعض البيئات المهنية اليوم، قد يبرر ضعف الهوامش أو الضغط المالي بأنه نتيجة منافسة غير منظمة، أو عملاء يضغطون على الأسعار، أو تباطؤ اقتصادي. هذه التفسيرات قد تكون صحيحة جزئيا، لكن السؤال الذي لا يجب تجاهله هو ما إذا كان النموذج الداخلي متوازنا من الأساس.إذا كان المكتب القانوني يعتمد على هيكل تكاليف مرتفع قائم على عناصر لا تضيف قيمة مباشرة للملف القانوني، فإن أي ضغط خارجي سيكشف هشاشة النموذج بسرعة. حين ترتفع الأتعاب نتيجة تكاليف تشغيلية مرتبطة بالصورة، قد يقبل السوق ذلك لفترة قصيرة، لكن مع اشتداد المنافسة وازدياد وعي العملاء، سيبدأ السؤال الجوهري في الظهور، ماذا يدفع العميل فعليا مقابل هذه الأتعاب؟إن القيمة القانونية يمكن تحليلها بوضوح، جودة التكييف النظامي، عمق البحث، إدارة الأدلة، ضبط المواعيد، التخطيط الاستراتيجي للقضية، إدارة المخاطر، الشفافية في التواصل، مؤشرات أداء داخلية تقيس الكفاءة، نظام توثيق يحفظ المعرفة المؤسسية. هذه عناصر يمكن تطويرها وقياسها وتحسينها. أما عناصر الصورة فهي بطبيعتها غير قابلة للقياس بالدرجة نفسها، وتظل أقرب إلى الانطباع منها إلى الأداء.الخطورة في إعادة تعريف النجاح داخل القطاع لا تكمن في وجود المظهر، بل في تطبيع ربطه بالكفاءة. عندما يبدأ الجيل الجديد من المحامين في الاعتقاد بأن معيار التفوق المهني هو السيارة أو المكتب أو الظهور الاجتماعي، يتحول التركيز من بناء مهارات تحليلية ومنهجية إلى بناء صورة، وحينها يتغير الاستثمار الداخلي من تطوير القدرات إلى تطوير الانطباعات.التاريخ الاقتصادي يوضح أن الفقاعة لا تنفجر لأن الناس ينفقون كثيرا، بل لأن السعر ينفصل عن القيمة. في لحظة ما، يتوقف السوق عن مكافأة الانطباع ويبدأ في التدقيق في النتائج. في قطاع المحاماة، النتائج لا تختبئ طويلا، إما أن تدار القضية بكفاءة أو لا، إما أن تحسم المخاطر أو تتفاقم، إما أن تكون الاستشارة دقيقة أو تترتب عليها تبعات. السمعة المهنية تبنى على هذه النتائج المتكررة، لا على مظاهر محيطة بها.هناك بعد آخر أكثر دقة، وهو أثر هذا النمط على هيكل السوق نفسه. حين ترتفع التكاليف التشغيلية بسبب عناصر غير إنتاجية، يرتفع حاجز الدخول أمام المحامين الجدد، ويصبح تأسيس مكتب قانوني مرهونا بقدرة مالية كبيرة لا بقدرة مهنية. هذا يخلق تشوها في المنافسة، حيث يقاس الاستعداد المهني بالقدرة على تحمل الإنفاق الأولي، لا بعمق الكفاءة القانونية.كما أن هذا النمط يؤثر في ثقافة التوظيف داخل المكاتب، فبدل أن يقاس الأداء بمؤشرات إنتاجية واضحة، قد يتأثر التقييم بعناصر شكلية أو اجتماعية، مما يضعف البنية المؤسسية على المدى الطويل. وعندما تتراكم هذه العوامل، يصبح القطاع أكثر حساسية لأي هزة اقتصادية أو تنظيمية، وما يقترحه التحليل ليس رفض المظهر أو الدعوة إلى التقشف، بل إعادة ضبط العلاقة بين الصورة والقيمة. يمكن للمكتب أن يكون أنيقا ومنظما، ويمكن للمحامي أن يختار ما يشاء من مظاهر شخصية، لكن يجب ألا يبنى النموذج المالي على افتراض أن العميل سيدفع ثمن هذه الخيارات دون أن يرى مقابلا مباشرا في جودة الخدمة.الاختبار الواقعي لأي مكتب قانوني يمكن صياغته بسؤال بسيط، لو خفضنا الإنفاق على الصورة إلى الحد الوظيفي، هل تبقى قدرتنا التنافسية قائمة؟ لو قارن العميل بيننا وبين مكتب أقل تكلفة لكنه يقدم جودة مماثلة أو أعلى، هل نملك عنصرا موضوعيا يبرر الفارق؟ إذا كانت الإجابة واضحة ومبنية على أداء قابل للقياس، فالنموذج متين. وإذا كانت الإجابة تعتمد على الانطباع وحده، فثمة مخاطرة صامتة.في النهاية، ما يلفت في طرح ثييل ليس نقد الماضي، بل التحذير من إعادة إنتاجه بأشكال جديدة. الفقاعة لا تبدأ بضجيج، بل بقبول صامت لتعريف جديد للنجاح. وقطاع المحاماة، بوصفه قطاعا مهنيا منظما، يحتاج إلى وعي دائم بهذا التعريف. النجاح ليس في حجم المكتب ولا في قيمة السيارة، بل في قدرة المنشأة على تقديم خدمة قانونية عالية الجودة بهيكل تكاليف متوازن ونموذج تشغيل مستدام.والسؤال الذي يجب أن يظل حاضرا في أي نقاش مهني ليس كيف نبدو في السوق، بل كيف يعمل نموذجنا حين يتعرض للاختبار، المهن لا تنهار حين يضعف المشهد، بل حين ينسى الملف، وكل صناعة تعيد تعريف نجاحها يوما ما، لكن بعضها يدفع ثمن هذا التعريف متأخرا.