يوم التأسيس... حين يكتب الوطن سيرته بين المجد والتجدد
السبت / 4 / رمضان / 1447 هـ - 23:37 - السبت 21 فبراير 2026 23:37
ليست كل المناسبات الوطنية مجرد استذكار لتاريخ مضى.. فبعضها يتحول إلى مساحة وعي تتجدد فيها هوية الشعوب وتستحضر من خلالها جذور الدولة وعمقها الحضاري.
ويأتي يوم التأسيس في وطننا المملكة العربية السعودية بوصفه مناسبة وطنية تحمل معنى بل معاني يتجاوز الاحتفال فيها إلى قراءة مسيرة وطن.
بدأ فكرة.. وتحول إلى كيان راسخ استطاع أن يصنع تجربة سياسية وتنموية فريدة في محيط إقليمي شهد تحولات كبيرة عبر التاريخ..
ويمثل يوم التأسيس محطة تاريخية تستعيد البدايات الأولى لبناء الدولة،
حين انطلقت ملامح مشروع وطني أسس لمرحلة الاستقرار ووضع قواعد الحكم والإدارة، وصولا إلى مرحلة التوحيد الكبرى التي قادها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه.
الذي لم يكن مشروعه فقط مجرد توحيد للأرض.. بل كان مشروعا لبناء دولة قائمة على الأمن والاستقرار ووحدة الهوية، وهو إنجاز شكل نقطة تحول تاريخية في المنطقة.
استطاع الملك عبدالعزيز رحمه الله أن يجمع بين الحنكة السياسية والبصيرة القيادية؛ ليؤسس دولة حديثة في زمن كان مليئا بالتحديات، واضعا الأسس التي انطلقت منها مسيرة البناء الوطني.. حيث تحولت المملكة تدريجيا إلى نموذج للاستقرار السياسي والتنمية المتوازنة.. وهو ما جعل تجربة الدولة السعودية واحدة من التجارب النادرة التي استطاعت الحفاظ على استمراريتها وقوتها عبر العقود.
ومع تعاقب الملوك.. استمرت مسيرة البناء والتطوير، حيث شهدت المملكة مراحل متلاحقة من التنمية في مختلف المجالات، من تطوير التعليم وبناء البنية التحتية، إلى تعزيز الاقتصاد الوطني وترسيخ الحضور الدولي. حتى دخلت المملكة مرحلة جديدة من التحول الشامل في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، والذي قاد مرحلة تجديد الدولة وتعزيز دورها الإقليمي والدولي.. مستندا إلى إرث تاريخي عريق ورؤية سياسية متزنة.
وفي هذا العهد الزاهر، برزت رؤية تنموية طموحة يقودها سمو ولي العهد الأمير الموفق محمد بن سلمان آل سعود، حيث شهدت المملكة تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، أعادت صياغة مفهوم التنمية الوطنية، وفتحت آفاقا واسعة للاستثمار والابتكار، ورسخت مكانة المملكة كقوة اقتصادية وسياسية مؤثرة في النظام العالمي.
ما يمنح يوم التأسيس خصوصيته أنه لم يعد مجرد مناسبة لاستعادة الماضي.. بل أصبح مناسبة وطنية فريدة تستحضر رحلة الدولة من البدايات إلى المستقبل، حيث تلتقي جذور التاريخ مع طموحات الحاضر.. في مشهد يعكس قدرة المملكة على الجمع بين الأصالة والتجديد.. وبين المحافظة على الهوية والانفتاح على العالم.
كما يكتسب هذا اليوم بعدا وجدانيا حين يتزامن مع شهر كريم تتعاظم فيه القيم الإنسانية والروحانية.. ليجتمع الفخر الوطني مع الصفاء الروحي.. في لوحة تعبر عن وطن استطاع أن يبني حضارته على الإيمان بالإنسان، وعلى التمسك بالقيم التي صنعت استقراره ووحدته.
كم لهذا الوطن من حضور في القلوب.. كل القلوب.. وكم له من رصيد متجدد من الحب والولاء والعطاء.. إنه وطن لم يكن يوما مجرد حدود جغرافية.. بل قصة انتماء تتوارثها الأجيال.. ومسيرة بناء تتجدد بسواعد أبنائه وبدعم قيادته الحكيمة.
ومع إطلالة شهر رمضان المبارك، تتعانق المشاعر الوطنية مع الروح الإيمانية، فنرفع أكف الدعاء أن يحفظ الله ولاة أمرنا، وأن يوفقهم لكل ما فيه خير البلاد والعباد، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والرخاء.
ونسأل الله أن يكون الشهر الفضيل موسم خير وسكينة على وطننا الغالي، وعلى أشقائنا في دول الخليج، وعلى أوطاننا العربية والإسلامية كافة، وأن يجعله شهر رحمة ووحدة وصفاء، تتقارب فيه القلوب وتسمو فيه معاني الأخوة والسلام... ليبقى هذا الوطن شامخا بعطائه، مزدهرا بأبنائه، محفوظا بعناية الله عبر الأزمنة.