الرأي

يوم التأسيس استقرار الإنسان وتنظيم المجال الحضري

وليد الزامل


عندما أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى عام 1727م وفي ذلك التاريخ اطمئن الإنسان للمكان، وتجلى إطار مستقر للعيش يسمح بتراكم الحياة والذاكرة الاجتماعية. هناك، في قلب الجزيرة العربية حيث كان الاستقرار الاجتماعي شاهدا على بناء وطن شامخ، وأصبح البناء قابلا للاستمرار. هو يوم بداية تنظيم المجال الحضري وانتقال العمران من النمط القبلي إلى النمط الحضري، تقوده سلطة وطنية وضعت مصلحة المواطن في مقدمة أولوياتها حتى صنعت الهوية العمرانية السعودية.

في يوم التأسيس ولد العمران السعودي في إطار يحكمه النظام السياسي العادل؛ فالاستقرار لا يعني البقاء في المكان؛ بل بناء القدرات اللازمة للحفاظ على استيطان المكان. وهذا يعني بناء السلطة الحكومية، وضبط حركة التنقل، وتأمين الطرق، وتنظيم القوانين التي تحكم العلاقة بين المجتمع. كان العمران قبل التأسيس قائما على استيطان غير مرتبط بإطار ينظم الحياة الاجتماعية؛ فالقرى ترتبط بالآبار والأودية، ويعتمد الاقتصاد على الزراعة، أما القبيلة فكانت أهم من المكان.

قبل التأسيس، كان مجتمع الجزيرة العربية مجتمعا مترحلا، والاستقرار مؤقتا يخضع للظروف الطبيعية بما في ذلك مناطق الرعي، وتجمعات الأمطار، والأودية والآبار. وهذا يعني أن الذاكرة المكانية مؤقتة، فمجتمع البادية لا يرتبط فعليا بالمكان ولا توجد علاقة وجدانية تراكمية وطويلة المدى بالمنطقة التي يقيم فيها.

ومع تأسيس الدولة السعودية الأولى أصبح الاستقرار والانتماء للمكان عاملي حسم لتطوير نواة حقيقية للمدن السعودية؛ فلا مدينة مستقرة بلا دولة مستقرة، بعبارة أخرى، استطاعت الدولة السعودية الأولى بناء مجال حضري يؤسس «مدينة سعودية» قادرة على النمو والاستمرار. إن يوم التأسيس هو يوم ثقافي وعمراني تجسد بتجربة تاريخية في استقرار الإنسان. فالهوية العمرانية السعودية ليست بناء ماديا نستحضره في صورة طراز معماري، أو مواد بناء، أو أنماط عمرانية؛ بل هي نتاج تفاعل عميق بين الإنسان والمكان. وهكذا أصبح للمكان وظيفة، فلم تعد الدرعية مستوطنة بشرية؛ بل هي مرجعية للدولة، وهذا يعني الاستقرار الدائم بالمكان، ومجتمعا تحكمه قوانين تؤكد على هذا الاستقرار بما في ذلك تنظيم السوق، وحماية الملكية، وحق الجار. في تلك الفترة التي تأسست فيها الدولة السعودية الأولى بدأ تراكم الذاكرة المكانية وأصبح للإنسان علاقة فعلية بالمكان.

ونفهم من ذلك أن الهوية العمرانية السعودية هي سردية طويلة لم تخلق كبناء مادي مجرد من سياقه الاجتماعي والاقتصادي والبيئي؛ بل جاءت لتشكل قواعد الحياة من السلوك الإنساني، وحتى عادات المجتمع التي مزجت بالمكان. كان دور الدولة السعودية الأولى بمثابة تأسيس الحاضنة الاجتماعية التي عززت من بناء الهوية العمرانية من خلال تكريس الاستقرار الأمني، ودعم أساليب المعيشة، وحل نزاعات الملكية، وتنظيم المجتمع. وكان العمران انعكاسا لنمط حياة المجتمع السعودي فالبيوت متقاربة، والأزقة ضيقة، والفراغات العامة تؤدي وظيفتها لتخدم مجتمعا متماسكا.

ختاما، إن احتفالنا بيوم التأسيس يجب أن يؤكد على استيعاب الدروس والقيم الثقافية التي يمكن استنباطها من يوم التأسيس السعودي، بما في ذلك ثقافة العمران وعلاقة الإنسان بالمكان، فالعمران لا يصنع بالبناء ولكن باستقرار الإنسان.