رمضان قِد جا يا مَرحيب حَيّا بُه
الخميس / 2 / رمضان / 1447 هـ - 04:03 - الخميس 19 فبراير 2026 04:03
في مطالع الشهور لا تتقدم التقاويم وحدها، بل تتقدم الذاكرة أيضا، وحين يهل علينا شهر رمضان المبارك، نستشعر به ونأنس بملامحه من خلال أهازيج ترحيبية من مختلف الثقافات العربية تجدها بسيطة في كلماتها، عميقة في أثرها، ينشدها الكبار وتتردد على ألسنة الصغار.بمدينة جدة وبحي الكندرة الذي نشأت به التصقت بذاكرتي منذ طفولتي أهزوجتان حضرميتان أصيلتان؛ كان مطلع الأولى «رمضان قد جا يا مرحيب حيا به ونرقى على السدة وفتحنا له.. يا ريت رمضان يقعد عندنا أربع سنين والكبش مربوط واليحلة ملانه طحين...» السدة تعني الباب واليحلة أي الوعاء.الأهزوجة الثانية «مرحب مرحب يا رمضان يا مرحبا بك يا رمضان شهر الخير والقرآن...» كانت تصدح بها جارتنا رحمها الله تعالى «حِبابه سعيدة» أي «الجدة سعيدة» باللهجة الحضرمية الجميلة؛ ترددها بتصفيق وأداء متناغمين لتتحول إعلانا بين الجيران للمباركة برمضان.برأيي، إن الأهازيج في جميع الدول العربية المصحوبة بالزينة والأنوار والفوانيس المعلقة ليست مجرد تراث عابر، بل ممارسة ثقافية تجسد كيف تتحول العبادة من واجب فردي إلى تجربة جماعية؛ فالطفل الذي يردد الأهزوجة دون أن يدرك بعد أحكام الصيام يحب الشهر قبل أن يكلف به؛ وهنا تؤدي العادة دورها الأهم لتهيئة النفس للعبادة.اجتماعيا، تسهم هذه العادات في ترميم الروابط المجتمعية؛ وصنع الذاكرة المشتركة التي تبقى حية حتى بعد غياب أصحابها. وحين يكبر الأطفال، يحملون رمضان في قلوبهم لا بوصفه شهر امتناع عن الأكل والشرب، بل شهر اقتناع بالود والقرب.أما دينيا، فإن الإسلام لم يفصل بين العبادة والفرح، بل إن الإعلان بدخول رمضان مشروع فيه إظهار البهجة والسرور؛ والذاكرة الشعبية حينما صاغت هذه الأهازيج كانت تمارس فقها فطريا ربط الطاعة بالمحبة، ونسج المواسم المقدسة بإشارات وجدانية لتهيئة القلوب للإقبال على العبادة بأمان واطمئنان.وثقافيا، تمثل هذه العادات مخزونا ناعما للهوية الأصيلة في زمن تتسارع فيه الأنماط المستوردة والتقليعات المتعددة؛ وتبدو مثل هذه التفاصيل الصغيرة حارسا صامتا للخصوصية المحلية لكل منطقة ومدينة وحارة، وتذكيرا بأن لكل مجتمع طريقته في الفرح، ولكل بيئة أسلوبها في استقبال الشهر.إن التمسك بهذه العادات ليس حنينا للماضي بقدر ما هو استثمار في الفكر المتنامي للأجيال القادمة، وحفاظ على الموروث الديني العربي من الاندثار؛ لأن الأمم لا تفقد تماسكها حين تتطور وتتغير، بل حينما تنسى وتتناسى الأصل والجوهر.ورمضان في أساسه موسم رحمة ومغفرة، وفرصة لتعزيز القيم ومراجعة المبادئ وإعادة الذكرى لأناس طيبين يتردد صدى أصواتهم في قلوبنا بأن رمضان قد جا يا مرحيب حيا به.أعاننا الله وإياكم على صيامه وقيامه، ونسأله أن يتقبل منا صالح الأعمال.. وكل عام وأنتم بخير.Yos123Omar@