الرأي

حكاية أول صيدلية في المملكة

نبيل عبدالحفيظ الحكمي
حين ننظر إلى بدايات الرعاية الصحية الحديثة في المملكة العربية السعودية حفظها الله، نجد أمامنا حكاية تبدأ من محل صغير في أحد شوارع جدة القديمة، صيدلية بسيطة افتتحها شاب طموح اسمه محمد سعيد تمر عام 1922، لكنها لم تكن مجرد مشروع تجاري عادي، بل كانت الشرارة الأولى لمسار طويل انتهى إلى ما نراه اليوم من مجموعة دوائية متميزة اسمها «مجموعة تمر»، تعد من أكبر المجموعات الصحية في المملكة والمنطقة.في ذلك الوقت كان الاعتماد الأكبر على الطب الشعبي والعطارين والوصفات العشبية، بينما كانت الأدوية الحديثة نادرة. في هذا السياق ولدت فكرة افتتاح أول صيدلية حديثة في جدة، لتكون نافذة ثابتة ومتاحة للأدوية الحديثة في قلب المدينة. كثير من كبار السن في جدة يروون كيف كان الناس يقصدون «صيدلية تمر» ليس فقط لشراء الدواء، بل لطلب المشورة والنصيحة، فالصيدلي كان يقوم بدور «المثقف الصحي» الذي يشرح للمريض معنى الجرعة، وأهمية إكمال الكورس العلاجي، وكيفية حفظ الدواء بعيدا عن الحرارة والرطوبة، في وقت لم تكن فيه هذه المفاهيم منتشرة كما هي اليوم.وجود صيدلية رائدة ومنظمة مثل هذه ساهم في تشكيل بنية مبكرة لسلسلة الإمداد الدوائي؛ فالصيدلية لم تبق مجرد منفذ بيع بالتجزئة، بل تحولت تدريجيا إلى بوابة لاستيراد الأدوية من الشركات العالمية، مما ساعد على إدخال أصناف دوائية جديدة إلى السوق السعودي. ومع توسع نشاطها التجاري، بدأ محمد سعيد تمر يؤسس علاقات تمثيل وشراكة مع شركات دواء عالمية، لتتحول الصيدلية من مشروع فردي صغير إلى نواة شركة عائلية منظمة، كانت هي الأساس لما نعرفه اليوم باسم «مجموعة تمر».هذا التحول يعكس كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تكبر مع الزمن وتواكب دعم الدولة حفظها الله لهذا القطاع الحيوي؛ فمن صيدلية واحدة في جدة قبل أكثر من قرن، توسعت أعمال المجموعة لتشمل اليوم توزيع الأدوية والأجهزة الطبية ومنتجات التغذية والرعاية الشخصية في مختلف مناطق المملكة والخليج، وتمثيل عشرات العلامات الدوائية العالمية، والمساهمة في إدارة سلاسل الإمداد الدوائي للمستشفيات الحكومية والخاصة، بالإضافة إلى الدخول في شراكات صناعية مهمة مثل مشروع «الشركة السعودية اليابانية للأدوية (ساجا)» وغيرها. وهكذا تجاوز تأثير أول صيدلية حدود الشارع الذي ولدت فيه، ليصبح جزءا من بناء منظومة صحية واقتصادية متكاملة تخدم المجتمع على مستوى وطني وإقليمي.ومع تأسيس كليات الصيدلة في المملكة وتخرج الدفعات الأولى من الصيادلة السعوديين منذ القرن الماضي، لم تقتصر قصة هذه الصيدلية على التجارة فقط، بل امتدت إلى بناء الكفاءات البشرية. أصبحت المجموعة التي خرجت من رحم تلك الصيدلية التاريخية جهة تستوعب مئات الصيادلة السعوديين، يعملون في مستودعاتها وفروعها وشركاتها التابعة، ويتدربون عمليا على معايير التخزين الجيد، وإدارة التوزيع، والتسويق الدوائي، والعمل المؤسسي المنظم.بهذا المعنى، تحولت «مجموعة تمر» إلى مدرسة عملية موازية للتعليم الجامعي، تدمج بين المعرفة العلمية والخبرة الميدانية، وتنقل ثقافة مهنية جديدة إلى سوق الدواء في المملكة.اليوم، في زمن الوصفات الالكترونية، والصيدليات الذكية، وتطبيقات توصيل الأدوية إلى المنازل، قد يبدو من السهل أن ننسى كيف بدأت الحكاية. لكن حين نتأمل المشهد من جديد، ندرك أن ما نراه الآن من منظومة دوائية متقدمة في المملكة تقف خلفه قصص تأسيسية مثل قصة أول صيدلية في المملكة؛ محل صغير بأرفف خشبية، وأدوية تأتي في صناديق بسيطة على متن السفن، يديره رجل واحد بحلم كبير. هذا الحلم هو الذي جعل من تلك الصيدلية الأولى نقطة انطلاق لمسار استمر أكثر من مئة عام، تداخلت فيه رحلة أسرة سعودية ريادية مع رحلة دولة تبني منظومتها الصحية الحديثة. وتهدف طموحات رؤية 2030 لتوطين الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية لتعزيز الأمن الدوائي والوطني، بدعم لا محدود من قيادة هذا البلد حفظها الله.nabilalhakamy@