الرأي

الهوى الجامح ومدى تأثيره على الالتزام العقدي

محمد عبدالحليم حسن
يعد الرضا ركنا جوهريا من أركان العقد، ولا يقوم العقد صحيحا إلا إذا صدر عن إرادة حرة واعية، غير أن الإرادة قد تعتريها عيوب تؤثر في صحتها وجعل العقد قابلا للإبطال، ومن بين الإشكاليات التي يثيرها القانون في هذا السياق مسألة الهوى الجامح ومدى تأثيره في صحة العقد.ويقصد بالهوى الجامح هو الرغبة الشديدة في التعلق بشخص أو بشيء على نحو يفقد المرء رشاد القرار وسلامة الحكم فيندفع صوب الوصول إليه بأي مقابل، مثال ذلك أن يستغل أحد الجيران تعلق جاره بإحدى شققه التي يملكها رغبة في التوسعة على نفسه وأولاده ليضمها إلى شقته، فيستغل فيه تلك الرغبة الجامحة فيبيعها له بسعر مغال فيه بصورة كبيرة.وينبغي أن نوضح هنا أن مجرد العطف والمودة لا يعد هوى، كما أن مجرد الهوى لا يكفي وإنما يجب أن يكون هوى جامحا لا قبل لمن يقع في نفسه بالتغلب عليه.ويخضع معيار التمييز بين العاطفة المشروعة والهوى الجامح لمعيار موضوعي يراعي مدى اختلال التوازن بين التزامات المتعاقدين، ومدى استغلال أحد الطرفين لحالة نفسية غير عادية تسيطر على الطرف الآخر وتدفعه إلى التعاقد بشروط مجحفة لا يقدم عليها الشخص المعتاد لو كان في حالة نفسية سليمة، فلا يعتد بالهوى الجامح إلا إذا بلغ من الشدة حدا يعطل حرية الاختيار ويضعف الإرادة على نحو يفقد الرضا صفته الواعية.ويذهب جانب من الفقه إلى اعتبار الهوى الجامح صورة من صور الاستغلال، إذ يقوم هذا الأخير على توافر عنصرين متلازمين:أولهما حالة ضعف نفسي أو ذهني تصيب أحد المتعاقدين، كطيش بين أو حاجة ملحة أو هوى جامح، وثانيهما تعسف الطرف الآخر في استغلال هذه الحالة للحصول على منفعة بوجه الاستغلال.فإذا أثبت المتعاقد المغبون أن إرادته قد شابها عيب الاستغلال، كان له - وفقا لنظام المعاملات المدنية السعودي - أن يلجأ إلى القضاء طالبا إبطال العقد أو إنقاص التزاماته فيه أو زيادة التزامات المتعاقد الآخر، وللقاضي أن يقضي بأحد هذه الخيارات الثلاثة بحسب ما يراه محققا لمقتضيات العدالة.ويخضع طلب الإبطال المقدم من المتعاقد المغبون لتقدير القاضي، إذ لا يكون ملزما قانونا بالاستجابة له، فقد يرى رفضه والاكتفاء بإنقاص الالتزامات الناشئة عن العقد، وذلك بعد موازنته بين جسامة الاستغلال ومدى تأثيره في إرادة المغبون، وبما يحقق التوازن العقدي دون الإخلال باستقرار المعاملات.Mhdhsan_@