الصيام عن الناس قبل الطعام
الخميس / 2 / رمضان / 1447 هـ - 03:56 - الخميس 19 فبراير 2026 03:56
ليس الصيام امتناعا عن الطعام والشراب فقط بل هو امتناع أعمق وأشد صعوبة، هو امتناع عن الناس حين يوقظون داخلنا أسوأ ما نخفيه، فما جدوى أن تجوع البطون إذا كان اللسان ممتلئا بالكلمات الجارحة، والقلوب مزدحمة بالضغائن، والأعين تلتقط عيوب الآخرين كما تلتقط الجوع في الأجساد؟، الصيام الحقيقي يبدأ حين نصوم عن الأحكام السريعة عن الناس، عن سوء الظن، عن تتبع الزلات الصغيرة التي لا تغير في مصائرنا شيئا لكنها تثقل أرواحنا، يبدأ الصيام حين نقرر أن نغض الطرف لا ضعفا، بل اتساعا، أن نؤجل الرد لا عجزا بل وعيا بأن كل كلمة قد تفتح بابا لا نعرف كيف نغلقه.كم من صائم لم يذق طعم الخبز طوال النهار، لكنه تذوق لحم أخيه في لحظة غفلة، وكم من جائع صبر على العطش، لكن لم يصبر على تعليق عابر في مجلس أو على صورة عابرة في هاتف، كأن الصيام تحول إلى طقس للجسد، بينما بقيت الروح على حالها، تتغذى على المقارنة والغيرة والخصام. الصيام عن الناس هو أن نهذب علاقتنا بهم، لا أن نقطعها، أن نختار الصمت حين يكون الكلام وقودا لنار صغيرة يمكن أن تكبر، أن نمسك قلوبنا حين تميل إلى الانتقام، ونذكرها بأن الصفح ليس تنازلا عن الكرامة، بل هو حفاظ عليها، فالقلب الذي يتدرب على العفو، يصبح أخف وأقدر على الاحتمال والتسامح.ليس المطلوب أن نصبح ملائكة ولا أن ننكر ما نشعر به من غضب أو ضيق بل نراقب فقط تلك المشاعر كما يراقب الصائم ساعة الإفطار، أن نعرف أنها ستمضي، وأننا لسنا مضطرين لإطعامها بكلمات حادة أو مواقف متعجلة أو أفكار مؤذية، فكما يجوع الجسد ليشعر بقيمة النعمة، تجوع النفس عن الأذى لتشعر بقيمة السلام.في رمضان تفتح أبواب كثيرة بعضها في السماء، وبعضها في داخلنا وأصعب الأبواب فتحا هو باب النفس حين تميل إلى لوم الآخرين قبل أن تراجع نفسها، الصيام عن الطعام تدريب مؤقت، أما الصيام عن الناس فهو تمرين طويل على الرحمة، أن نصوم عن الناس قبل الطعام، يعني أن نبدأ بإصلاح الداخل قبل أن نعد موائد الخارج، أن نجعل من هذا الشهر فرصة لإعادة صياغة قلوبنا، لا فقط عاداتنا، فالجوع الحقيقي ليس في المعدة، بل في قلب لم يتعلم بعد كيف يشبع من الصفح.NevenAbbass@