الرأي

المكانة الاجتماعية: هرم خفي في كل مجلس

هشام الجاسر
في إحدى أمسيات السبت ضمن لقاءات «جسور» الأسبوعية، كان الموضوع عن المكانة الاجتماعية: كيف تصنع بين الناس؟ وكيف تقرأ دون أن تقال؟ ثم تطرقنا إلى الوصمة، وكيف تتسلل إلى تفاصيلنا اليومية وتعيد ترتيبنا في عيون بعضنا. وكأننا في رحلة داخل مسلمات المجتمع: لماذا نمنح رأي الجماعة كل هذا الثقل؟ وما الذي يتحرك فينا، في الكواليس، ليحمي صورتنا حين نشعر أننا تحت النظر أو الحكم؟ هنا أشارككم بعض المشاهد والأفكار التي نوقشت.مشهد البداية: لعبة بريئة... وترتيب غير بريءتخيل نفسك في تجمع أصدقاء يقررون لعب مباراة كرة طائرة أو جولة أوراق (بلوت). يبدأ الجميع تشكيل الفرق أو توزيع الأدوار تلقائيا. خلال لحظات، تتحدد مكانة كل فرد وفقا لمهارته: اللاعبون البارعون يتصدرون المشهد، ومن يفتقر للخبرة قد يدفع إلى الهامش. قد يعطى دورا ثانويا، أو ربما يجلس متفرجا بحرج، وقد يستشعر اختفاء شخصيته وميله إلى المهادنة.هل تبدو هذه لعبة بسيطة، أم أننا أمام هرم مكانة خفي يتسلل حتى إلى اللهو والترفيه؟ من الذي قرر أن المهارة في اللعب تمنح صاحبها موقعا أعلى؟ ولماذا نقبل ضمنيا بهذا التراتب المؤقت وكأنه 'طبيعي'؟لماذا يرتب بعضنا بعضا بهذه السرعة؟المفارقة أن هذا المشهد التلقائي يعري ميلا بشريا قديما في ترتيب بعضنا بعضا. ربما لا شعوريا نلهث وراء مكانة ما حتى في المواقف البسيطة، وكأن عقلنا البدائي يهمس لنا بأن البقاء للأقوى أو للأكثر كفاءة. قد يبدو الأمر مبالغا فيه - فنحن نتحدث عن لعبة مجردة - لكن الرغبة في نيل التقدير لها جذور عميقة. يذكر علماء النفس أن حرص الإنسان على مركزه بين أقرانه مغروس فينا منذ القدم؛ فبالنسبة لأسلافنا كان كون المرء محبوبا أو ذا شأن في القبيلة ميزة بقاء، إذ وفر له ذلك حماية أكبر ضمن الجماعة وفرصا أوفر في استمرار نسله. لعل شيئا من هذا الإرث البعيد لا يزال يعمل في خلفية تصرفاتنا اليومية.هنا يدخل سؤال اللقاء الأهم: لماذا نحس بالإحراج كأنه خطر؟ ولماذا ينكمش بعضنا في لحظة 'تقييم' بسيطة؟لأن الدماغ لا يتعامل مع التهديد الاجتماعي بوصفه 'كلام ناس' فقط؛ أحيانا يتعامل معه كإنذار بوجود خطر على الانتماء. وعندما تقرأ إشارات مثل: سخرية، تجاهل، نظرة استخفاف، أو تعليق ينقص من قدرك... تتحرك الأميغدالا (اللوزة الدماغية) في الخلفية لحمايتك. فتظهر 'دفاعات' صغيرة لكنها قوية: صمت، انسحاب، مراقبة حذرة، أو مهادنة زائدة... كأن الجهاز العصبي يقول: انتبه، صورتك هنا تحت الاختبار وفي هذه اللحظة تحديدا، لا تتفاءل كثيرا بظهور 'نسختك الحقيقية' كما هي؛ لأن ما يطفو غالبا ليس الشخصية بل القلق. يصبح تركيز الجسد موجها للحماية لا للتعبير: إما هروب، أو هجوم، أو تجمد، أو مهادنة. ومع ارتفاع الإنذار الداخلي، تنكمش مساحتك النفسية؛ فتجد مفرداتك تقل، وبديهتك تتأخر، وخفة ظلك لا تحضر كما اعتدت... كأن جزءا كبيرا من طاقتك - قد يصل في شعورك إلى 70% - انتقل من 'أن تكون أنت' إلى 'أن تبقى آمنا'.الوصمة: حين تسبقك 'سمة' قبل أن تعرف أنتوالأهم: هذا لا يحدث فقط عند نقص المهارة، بل أيضا عندما تحمل وصمة اجتماعية - لهجة مختلفة، لون بشرة، طبقة، مهنة، أو جنسية - فتسبقك 'سمة' قبل أن تعرف أنت. تخيل عامل نظافة يدخل مجلسا يغلب عليه 'أهل البلد'، أو شخصا بلهجة غير مألوفة، أو رجلا يشعر أن الفتيات لا يعتبرنه 'مناسبا' بسبب وظيفته أو مظهره؛ في كل هذه الحالات قد تستفز الأميغدالا بالطريقة نفسها: قراءة سريعة لنظرة الاستخفاف، ثم دفاعات داخلية تقلص حضورك.وهنا الخطورة: أن الوصمة لا تغير 'ترتيبك' داخل المجموعة فقط، بل قد تغير طريقتك في الوجود: تقل مشاركتك، تتردد، تراقب نفسك أكثر مما تعيش اللحظة... لأنك تحاول أن تتجنب الألم قبل أن يحدث.هذا يبدأ مبكرا جدا: طفلة في فصل جديدبل إن هذا يبدأ مبكرا جدا: طفلة تدخل فصلا جديدا لأول مرة. في دقائق تتشكل خريطة غير معلنة: من 'المحبوبة'؟ من تقود اللعب؟ من تستقبل بحرارة؟ ومن تترك على الأطراف؟ قد لا تقال كلمة مباشرة، لكن نظرات الاستطلاع، همسات التعارف، وتوزيع المقاعد والدوائر الصغيرة تصنع مكانة سريعة التكوين.إذا التقطت الطفلة إشارة رفض أو سخرية - على لهجتها، ملابسها، شكلها، أو حتى خجلها - قد تتحرك الأميغدالا فورا لحمايتها: صمت، تراجع، مراقبة حذرة، أو محاولة مفرطة لإرضاء المجموعة. وكأن العقل يقول لها: 'انتبهي... هذا ليس مجرد فصل، هذا اختبار للانتماء أو للنبذ'.تجربة قصيرة تكشف هرم المكانةولكي لا تبقى فكرة 'الأرقام' نظرية، طبقت تمرين 'ارفع يدك' في اللقاء. سألت مثلا: 'إذا كان راتبك أكثر من 4 آلاف ارفع يدك.' ثم قلت: 'تخيلوا لو عكسنا السؤال: الأقل من 4 آلاف... وش بيصير للشعور؟' في ثوان صار الرقم مكانة، وصار الصمت حماية. الفكرة نفسها تكررت مع أسئلة حساسة مثل العلاج النفسي أو السجن: ليست المعلومة وحدها ما يوجع، بل كونها تعرض داخل جماعة قد تقرأها كوصمة.إذن: ما الفرق بين المكانة والقيمة؟بالنهاية، المكانة هي موقعك في نظر الناس داخل سياق محدد: مجلس، عمل، لعبة، طبقة، شبكة علاقات. تتغير بسرعة، وتتبدل بتبدل السياق ومن يحكم عليك.أما القيمة فهي ما أنت عليه في جوهرك: إنسانيتك، كرامتك، مبادئك، قدرتك على التعلم، نواياك، وحقك الطبيعي في الاحترام، وهذه لا ينبغي أن تقاس بمزاج مجموعة أو ترتيب لحظي.مفارقة لافتة: المكانة نفسها... وسلوكان مختلفانولهذا ترى مفارقة لافتة: قد يقف شخصان في المكانة نفسها، وفي الموقف نفسه، ومع ذلك يختلف سلوكهما تماما. اثنان في الوظيفة نفسها، أو في المجلس نفسه، أو حتى كلاهما 'مبتدئ' في اللعبة:
  • الأول يبدو هادئا وواثقا؛ يضحك على خطئه، يسأل بلا حرج، ويكمل حضوره كأن الخطأ لا يمس جوهره.
  • والثاني يتوتر ويصغر صوته، يبالغ في الاعتذار، أو ينسحب مبكرا... لأنه لا يتعامل مع الموقف كـ'حدث عابر'، بل كـ'حكم على قيمته'.
الفرق هنا ليس في الذكاء ولا في الشجاعة فقط، بل في المرجع الذي يتحرك منه كل واحد:الأول مرجعه القيمة: يتصرف من الداخل، فيرى المكانة ظرفا مؤقتا.والثاني مرجعه المكانة: يتصرف من الخارج، فيجعل أي إشارة اجتماعية كأنها تعريف نهائي لذاته.وهنا يصبح الهدف العملي ليس أن نلغي المكانة (لأنها واقع)، بل أن نمنعها من ابتلاع قيمتنا: أن نلاحظ اللعبة دون أن تتحكم بنا، وأن نتذكر في لحظة الارتباك:قد تنخفض مكانتك بحسب 'الرقم'... لكنك لست رقما.والمشكلة تبدأ حين يختلط الأمر على بعضنا: حين تصبح القيمة مستعارة من المكانة. عندها لا يعود الشخص يبحث عن حياة أوسع، بل عن جمهور يمنحه 'رقما مرتفعا' باستمرار. فيحرص أن يبقى قريبا من الناس الذين يرفعونه في سلم التقدير، ويتجنب من قد لا يراه بالطريقة نفسها، أو من قد يعريه، أو يختلف معه، أو لا يمنحه التصفيق الذي اعتاده. ظاهريا يبدو هذا 'ذكاء اجتماعيا'، لكنه في العمق سجن أنيق: دائرة علاقات ضيقة ومأمونة، ومواقف محسوبة، وشخصية تدار على وضع 'الحفاظ على الصورة'.وهكذا تتقلص التجارب التي قد تنضجك: لا تدخل أماكن لا تعرفها، لا تنافس في مجال جديد، لا تتعلم لأن التعلم يعني احتمال الخطأ... والخطأ يعني احتمال نزول الرقم. ومع الوقت تصبح الحياة كلها محاولة لإبقاء المكانة مرتفعة بدل أن تكون رحلة لبناء الذات. لذلك، فصل القيمة عن المكانة ليس رفاهية نفسية؛ بل شرط للتطور: أن تسمح لنفسك أن تجرب وأن تخطئ وأن تتعلم، حتى لو لم يمنحك الجميع الرقم الذي تريده؛ لكي تتحرر من سؤال: (كيف أُرى؟) إلى سؤال: (من أكون؟).hish_jasser@