انتشار الأخبار الكاذبة في أوقات الخوف
الأربعاء / 1 / رمضان / 1447 هـ - 02:03 - الأربعاء 18 فبراير 2026 02:03
هناك جملة من الآليات النفسية التي تجعل الزيف يبدو وكأنه حقيقة يعمل للتأثير على الدماغ فيتسلل التضليل إلى النفس البشرية، ومن أهمها ردود الفعل السريعة التي تصنع أرضا خصبة لكل ما هو مضلل، لأن العقل البشري يعمل ضمن منطقين متصارعين للتفكير، الأول سريع من صفاته أنه تلقائي، عاطفي، يعتمد على الحدس، والثاني بطيء ومن صفاته أنه منطقي، متأنّ، يحتاج وقتا للتحليل، والأخبار الكاذبة تخاطب العقل السريع مباشرة، لأنها تخاطب صاحب القرار الأسرع، وهذا من أسباب السقوط في فخ الأخبار الكاذبة التي ننشرها بسرعة لأننا صدقنا جزئيا، أو شاركنا، أو غضبنا من الموضوع فتفاعلنا معه.من جملة التفاعلات النفسية مع الزيف أن يكون مقنعا للنفس البشرية، فجملة الأخبار الكاذبة التي تنتشر تؤكد قناعاتنا؛ فالانحياز التأكيدي يعطي للعقل لذة الشعور بأنه على حق، لذلك يميل الإنسان إلى تصديق الأخبار التي توافق معتقداته، حتى لو كانت ضعيفة، ويرفض الحقائق التي تناقضها، حتى لو كانت موثوقة، وهنا يجد التضليل منفذا ذهبيا من خبر يعزز رأيه، أو إشاعة تتماشى مع تصور مسبق، وقصة تحكي ما نريد أن نسمعه.وكذلك تأثير الصدى؛ فعندما نرى عشرات الأشخاص يكررون خبرا ما يبدأ دماغنا تلقائيا بالميل إلى تصديقه لأن التكرار نفسه يعطي إحساسا بالموثوقية ويصبح دليلا، وهذه الظاهرة تسمى تأثير الجماعة أو تأثير القطيع.وتلعب الأخبار الكاذبة على اللغة العاطفية والمشاعر القوية؛ وهما من أسرع الطرق لتمرير الزيف، فعاملا الخوف والغضب فضاءان مثاليان لزرع الشائعة، فترتفع المشاعر، وينخفض التفكير التحليلي، حيث تعتمد الشائعات للتحذير من خطر مفاجئ، أو فضيحة، أو تهديد، أو التحذير من مؤامرة كبيرة، والتفاعل هنا يحدث لأن العقل في لحظة الانفعال يبحث عن رد فعل لا عن تدقيق يرافقها، ويبدأ في الانحياز للقصص السهلة التي تبدو مرتبة حتى وإن لم تكن حقيقية، على عكس الحقيقة التي تبدو بالعادة أصعب.وفي زمن الإرهاق المعلوماتي والتدفق اللامحدود للمحتوى، يصعب على المتلقي أن يفحص كل شيء، وهنا يضطر العقل لتقليل الجهد باستخدام الاختصارات الذهنية والتي منها «المصدر يبدو مألوفا»، «العنوان مقنع»، «رأي المتابعين إيجابي» وكلما ازداد الإرهاق انخفضت قدرتنا على مقاومة التضليل الإعلامي.كما تستخدم بعض الإشاعات أسلوب الندرة والتي ملخصها «المعلومة التي لا يريدونك أن تعرفها»، ومع رغبة الإنسان في امتلاك ما يبدو سريا أو نادر الوصول يتجاوب مع هذا النوع من الخطاب الذي يستثيره، ويتعامل معها كحقيقة ومعلومة خاصة بحكم قيمتها العاطفية لا مصداقيتها.وعند النظر إلى الأخبار الكاذبة في وقت الأزمات والحاجة إلى المعلومات في ظل الشح المعلوماتي ينتشر التضليل، وتزدهر الأخبار الكاذبة بسرعة أكبر من الحقائق، لأن الخوف والقلق يضاعفان استعدادنا لتصديق أي خبر يبدو ذا صلة بما يقلقنا.وفي الأزمات يبحث الجمهور عن إجابات سريعة ويجد ضالته مع شح المعلومات في الأخبار الكاذبة التي تقدم غالبا روايات جاهزة وحلولا فورية لمشاعر القلق، ومستغلة المشاعر خصوصا الخوف والغضب، لتزيد من احتمالية مشاركتها، ويتشارك معها تدفق الأخبار العاجلة، وغياب الدقة، ما يسمح للأخبار المضللة بالانتشار قبل تصحيحها سواء من جهات الإعلام التقليدي أو المنصات الرقمية التي تسرع من تداول المحتوى لدور الخوارزميات الباحثة عن الأخبار المليئة بالصدمة أو الغرابة.ختاما، تصديق الأخبار الكاذبة ليس علامة على السذاجة؛ بل نتيجة طبيعية لآليات نفسية قديمة ترتبط بالطبيعة البشرية؛ فأثناء الأزمات من المهم التحقق من المصدر والاعتماد على المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام الموثوقة، والتريث قبل المشاركة، حتى لو كان الخبر صادما أو عاجلا، وتدريب النفس على التعرف إلى المؤشرات التي تدل على التضليل، وفهم العوامل الكامنة لعوامل الانحياز، ومتى تتدخل العاطفة، ولماذا نصدق ما نريد تصديقه، وهنا الوعي درع ناعم يمنع التضليل من المرور.