أبناؤنا والصوم والدراسة و«المثلث الصحي»
الأربعاء / 1 / رمضان / 1447 هـ - 02:00 - الأربعاء 18 فبراير 2026 02:00
مع إطلالة الشهر الفضيل، تتغير ملامح الحياة اليومية في البيوت، ويحل إيقاع رمضاني خاص يجمع بين العبادة والانضباط وروح الأسرة، وفي هذا المناخ الإيماني، يواصل الأبناء مسيرتهم الدراسية، ليصبح رمضان فرصة عملية لتعلم التوازن بين أداء الشعائر الرمضانية والمسؤوليات الأكاديمية، وترسيخ قيم التنظيم والصبر وإدارة الوقت، والحقيقة التي يدركها الجميع أن الصيام لا يتعارض نهائيا مع التحصيل العلمي إذا أحسن التخطيط وتم الإعداد النفسي والجسدي بشكل سليم، فشهر رمضان ليس شهر كسل أو تراجع، بل فرصة لتعزيز الانضباط، وتقوية الإرادة، وتدريب الأبناء على إدارة الوقت وتحمل المسؤولية.ومن المهم في هذا الشهر الفضيل أن تهيئ الأسرة أبناءها بمختلف شرائحهم العمرية نفسيا، عبر الحديث عن فضائل رمضان ومعانيه الروحية، مع التأكيد على أن الصيام لا يعني تعطيل الحياة اليومية، وضرورة غرس القناعة الإيجابية في نفوسهم بأنهم قادرون على الجمع بين العبادة والدراسة، وأن ذلك يعزز دافعيتهم ويقلل من الشعور بالإجهاد، كما يستحسن وضع خطة يومية واضحة تتضمن أوقات النوم والمذاكرة والراحة، بحيث يكون الطالب في رمضان مستعدا نفسيا ومنظما ذهنيا.ولتحقيق أفضل استفادة صحية ودراسية في رمضان، لا بد من الالتزام بما يمكن تسميته بـ»المثلث الصحي»، والذي يرتكز على ثلاثة عناصر رئيسية وهي: النوم الصحي، التغذية الصحية، وتنظيم الوقت.أولا: النوم الصحي، فاضطراب النوم من أكثر الأسباب التي تؤثر سلبا في تركيز الطلاب خلال النهار، لذلك ينصح بالحصول على عدد ساعات كافية من النوم وفي الأوقات الصحيحة التي تتفق مع روحانية الشهر، حتى يتجه الأبناء إلى المدرسة وهم في حالة جيدة من النشاط الذهني.ثانيا: التغذية الصحية، والتأكيد على وجبة السحور لكونها الوقود الحقيقي لنهار الطالب الصائم، ويجب أن تكون متوازنة وتحتوي على بروتينات وألياف وكربوهيدرات معقدة تساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول، مع الحرص على شرب الماء بشكل جيد بين الإفطار والسحور، كما ينبغي تجنب الإفراط في الأطعمة الدسمة والمقليات والحلويات الثقيلة التي تسبب الخمول واضطراب التركيز.ثالثا: تنظيم الوقت، فتقسيم ساعات اليوم وخصوصا ما بعد الإفطار أمر ضروري لتحقيق التوازن بين العبادة ومراجعة الدروس والترفيه، فهناك متسع من الوقت بعد الإفطار ويجب استثمارها بشكل منتظم وصحيح. وفي شهر رمضان تغدو الفترة المسائية، لا سيما بعد صلاة العشاء والتراويح هي الوقت الأكثر نشاطا وحركة، وفي هذه الساعات يجد الأبناء متسعا كبيرا من الوقت بعد يوم دراسي وصيام، غير أن هذا التحول في نمط اليوم قد يحمل جانبا سلبيا إذا لم يحسن استثماره، خصوصا لدى الأبناء بمختلف أعمارهم، فالاستخدام المفرط للجوال والألعاب الالكترونية بعد الإفطار قد يستهلك ساعات مهمة وثمينة من الليل دون شعور، ما ينعكس على التركيز في اليوم التالي، ويؤثر في التحصيل الدراسي وجودة النوم، ومع التأكيد هنا على أن الترفيه حق مشروع ووسيلة لتجديد النشاط، إلا أن الإفراط فيه يحول الوقت من نعمة إلى عبء كبير، ويفقد الطالب قدرته على التوازن بين واجباته الدراسية وراحته النفسية، ومن هنا تبرز أهمية تقنين استخدام الأجهزة الالكترونية، عبر تحديد وقت واضح ومحدود للترفيه، يقابله وقت للمذاكرة والمراجعة، كما يستحسن أن يكون الترفيه متنوعا على أن يشمل أنشطة مختلفة ورياضة وحركة، لا أن يقتصر على الجلوس الطويل الممتد لساعات تهدر وراء الأجهزة والشاشة والألعاب الالكترونية.كما لا يفوتني في هذا المقال أن أتطرق إلى الطلاب المصابين بالسكري، ففي حال السماح لهم بالصيام بعد قرار الطبيب المعالج ينبغي الالتزام بالخطة العلاجية المتبعة، والحرص على قياس مستوى السكر بانتظام وخصوصا إذا كانوا لا يستخدمون أجهزة الحساسات الالكترونية التي تراقب مستوى سكر الدم على مدار الساعة، وفي حال ظهور أي أعراض - لا قدر الله - يتم تنبيه الفرد حتى يتخذ الخطوات العلاجية اللازمة، وبجانب كل ما سبق ينصحون بعدم إهمال تناول الأدوية أو الإنسولين وفق الإرشادات الطبية، ومن المهم أن تكون وجبتا الإفطار والسحور متوازنتين وخاليتين من السكريات البسيطة قدر الإمكان، مع تجنب المشروبات المحلاة بكثرة، كما يجب التنبيه إلى ضرورة كسر الصيام فورا في حال حدوث أعراض انخفاض أو ارتفاع شديد في مستوى السكر، فسلامة الطالب مقدمة على أي اعتبار.الخلاصة: يبقى رمضان مدرسة متكاملة في الانضباط والصبر وإدارة الذات، وعندما تتكاتف الأسرة مع المدرسة في توجيه الأبناء نحو الممارسات الصحية السليمة، يصبح الشهر الفضيل فرصة لتعزيز الصحة الجسدية والنفسية، دون أن يتأثر المسار الدراسي، بل قد يزداد تميزا ونضجا، وكل عام وأنتم بخير.