الدراسة في رمضان ويوم التأسيس
الثلاثاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 00:49 - الثلاثاء 17 فبراير 2026 00:49
نحتاج إلى فكر جديد لإدارة اليوم الدراسي في شهر رمضان المبارك، ودعونا ننطلق من مقترح أشمل ورؤية أوسع، ونبحر قليلا خارج الصندوق في إدارة هذه الأيام الدراسية القليلة، وأن نبتعد نسبيا عن خطاب الوعيد والتحذير والرصد، ونتجه بدلا من ذلك إلى الميدان وواقعه الحقيقي في هذا الشهر الفضيل؛ حيث الصيام ومشقته، ورتابة الدروس، والفصول المكتظة بالطلاب، وتوقيت اليوم الدراسي، وزحام الطرق، والواقع اليومي الممل في ظل غياب الأنشطة المحفزة، إضافة إلى أسلوب التهديد المرتبط بالغياب، وثقافة الأسر والمجتمع في شهر رمضان المبارك.جميع هذه العوامل مجتمعة تسهم بشكل مباشر في ترسيخ ودعم ظاهرة الغياب خلال شهر رمضان.يضاف إلى ذلك ثقافة مجتمعية وأسرية ترى رمضان شهر عبادة وخصوصية، لا شهر انضباط صارم، ما يخلق فجوة بين ما يطلب رسميا، وما يمارس فعليا داخل البيوت، هذه الفجوة لا تردم بالوعيد، بل بالفهم، ولا تغلق بالعقوبات، بل بإعادة تصميم التجربة التعليمية نفسها.وأن تكون لدينا قناعة وحقيقة مثبتة بالتجربة عبر سنوات طويلة، بأن استمرار الدراسة بالوتيرة نفسها المتبعة سابقا سيقودنا حتما إلى النتيجة ذاتها؛ حضور محدود في الأيام الأولى، يعقبه غياب متزايد وكبير لاحقا، وبالتالي تعليق الدراسة إذا لم يكن خيارا لدى الوزارة قد يكون خيارا لدى الطلاب مدعوما من الأسرة والمجتمع.وبالتالي، فإن ذلك يعد مؤشرا واضحا على خلل في إدارة المرحلة، وفشل في قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون، فالحلول لا تكمن في الإكثار من التعميمات، ولا في تشديد العقوبات، بقدر ما تكمن في إعادة التفكير بواقعية: لماذا لا يعاد توزيع اليوم الدراسي بما يتناسب مع طبيعة الشهر؟ ولماذا لا تكثف الأنشطة الخفيفة والمحفزة بدل الحصص التقليدية؟ ولماذا لا يمنح المعلم مساحة أوسع للإبداع والمرونة بدل الالتزام الحرفي بالمنهج؟ ولماذا لا يدار شهر رمضان بوصفه حالة تعليمية استثنائية مؤقتة، لا امتدادا روتينيا لبقية العام؟ ولماذا لا نعيد تعريف الانضباط ليكون قائما على الدافعية الداخلية لدى الطالب، لا على الرقابة والعقاب، مع مرونة أكبر في الحضور والانصراف؟بكل تأكيد تبذل وزارة التعليم جهودا كبيرة وناجحة في إدارة المناسبات الوطنية بمختلف القطاعات التعليمية والمدارس، بما يسهم في غرس القيم الوطنية وتعزيزها في نفوس أبنائنا.إلا أن الجديد هذا العام يتمثل في تزامن يوم التأسيس، هذه المناسبة الغالية، مع شهر رمضان المبارك، في ظل ظروف استثنائية تفرض واقعا مختلفا على اليوم الدراسي.ومن هنا يبرز التساؤل: هل نحن بحاجة إلى جدول وأنشطة طلابية وثقافية استثنائية لإدارة اليوم الدراسي بروح عالية وحماس وشغف تنسجم مع روحانية الشهر الفضيل وتواكب في الوقت ذاته رمزية المناسبة الوطنية؟تظهر التجارب العالمية في مجال التعليم أن إدارة الدراسة خلال المناسبات الدينية والاجتماعية لا تنجح بالصرامة بقدر ما تنجح بالمرونة، ففي دول مثل ماليزيا وإندونيسيا جرى تعديل اليوم الدراسي في رمضان عبر تقليص زمن الحصص وتخفيف العبء التدريسي، فيما منحت أنظمة تعليمية في بريطانيا وفرنسا المدارس صلاحيات لتعديل برامجها خلال المناسبات الدينية الكبرى، انطلاقا من قناعة بأن الاستقرار النفسي والاجتماعي شرط أساس للتعلم الفاعل، وتؤكد هذه النماذج أن احترام خصوصية المناسبة لا يتعارض مع جودة التعليم، بل يعكس نضجا إداريا وقدرة على المواءمة بين متطلبات النظام التعليمي والواقع الاجتماعي.ومن هنا، لا يبدو من الأنسب تربويا ولا نفسيا، في ظل ما يفرضه شهر رمضان من خصوصية على نمط الحياة اليومية وثقافة الأسرة والمجتمع، أن نحمل الطالب وحده مسؤولية الخطأ، أو نشعره بالذنب، أو نواجهه بلغة الوعيد والتهديد؛ إذ إن مثل هذه الأساليب قد تعمق الفجوة بين الطالب والمدرسة، بدلا من أن تسهم في تعزيز الانضباط أو ترسيخ القيم الإيجابية لديه، بل وقد تسهم في إضعاف نظرته لذاته أمام الضغوط والتحديات التي يفرضها شهر رمضان على واقعنا المعيشي.لذا أؤكد أننا بحاجة إلى فكر جديد في إدارة اليوم الدراسي خلال شهر رمضان المبارك، فكر يجعل دافعية الحضور نابعة من داخل نفوس الطلاب، بحيث تخصص لها دروس وأنشطة خاصة ثقافية ومهارية؛ تصمم بشكل جذاب وإبداعي يتلاءم مع روحانية هذا الشهر الفضيل، وتكون فرصة لتعزيز القيم الدينية والوطنية وبر الوالدين والإحسان والاحترام، والعمل التطوعي وإبراز جماليات رمضان في هذا الوطن الغالي.3OMRAL3MRI@