في الطريق إلى القرآن
الاثنين / 28 / شعبان / 1447 هـ - 23:51 - الاثنين 16 فبراير 2026 23:51
ما إن تلوح بوادر شهر رمضان المبارك حتى تتحول الأيام إلى عد تنازلي، وتغدو القلوب أكثر يقظة، والأنفاس أكثر ترقبا. هو شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر المراجعة الكبرى مع الذات. وفي زحمة هذا الاستعداد الروحي، داهمني شعور ثقيل بالتقصير، وواجهت حالي مع كتاب الله مواجهة صادقة، فرأيت غفلة متراكمة، وهمة متعبة، وقلبا يحتاج إلى ترقيق طويل. أدركت أن المشكلة ليست في الوقت ولا في الانشغال، بل في الفتور الذي يطرق الأبواب بهدوء حتى يستقر دون أن نشعر.دفعتني هذه المكاشفة إلى العودة إلى الكتب التي تتحدث عن القرآن وأهله، وعن أحوال الصالحين معه. قرأت بشغف، وتأملت بإعجاب، واستشعرت الفارق الهائل بين من جعل القرآن أنيسه الدائم، ومن جعله زائرا موسميا. بدأت ألزم وردي اليومي بحماسة صادقة، وشعرت في أيامها الأولى بلذة لا توصف، غير أن هذه الهمة لم تلبث أن تراجعت، وخبا بريقها شيئا فشيئا، حتى عدت أراوح مكاني بين نية صادقة وتنفيذ متعثر، وبين شوق كبير وعجز متكرر.وفي لحظة لم تكن في الحسبان، ساق الله إلي موعظة حية على هيئة رجل، زميل عزيز، عرفته منذ سنوات، ولم أر منه إلا طيب الخلق وصفاء السريرة. دار بيننا حديث عابر، لكنني فتحت له قلبي، وبثثته شكواي من ضعفي مع القرآن. فإذا بالله ينطقه بكلمات أعادت ترتيب داخلي كله. قال بهدوء 'من باب (وأما بنعمة ربك فحدث)، وأنا والله ما قلت هذا لأحد قبلك، أنا ولله الحمد أختم القرآن كل شهر ثلاث ختمات، وفي إجازة الصيف ست ختمات'. شعرت حينها بدهشة عميقة، وبخجل شفيف، وكأن مرآة صافية وضعت أمامي فجأة.لم أملك إلا أن أقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، تقبل الله منك وثبتك وزادك. ثم سألت، بدافع الفضول الممزوج بالإجلال: هذا في الأشهر العادية، فكيف يكون حالك مع قرآن رمضان؟ فابتسم وقال 'لي سنوات، ولله الحمد، أختم في رمضان خمس عشرة ختمة'. لم تكن الكلمات وحدها ما أثر في، بل النبرة الهادئة، والصدق الظاهر، والتواضع الذي لف حديثه كله. أدركت حينها أن المسألة ليست استعراض أرقام، بل علاقة عميقة تشبه العهد المتجدد مع كلام الله تعالى.تركته وأنا ألوم نفسي وأعاتبها، لكنني لم أظنها تلك المعاتبة القاسية التي تثقل القلب وتزيده انكسارا، بل كانت ملامة محبة، توقظ ولا تحبط، وتدفع ولا تثقل. شعرت بنسائم إيمانية تهب على روحي، وببشائر أمل تفوح في داخلي. قلت في نفسي: إن كان غيري قد استطاع، فلم لا أستطيع؟ وإن كانوا قد فتحوا هذا الباب، فلماذا أكتفي بالوقوف عند عتبته؟ عندها أدركت أن الفارق الحقيقي ليس في القدرة، بل في القرار، وليس في الفراغ، بل في ترتيب الأولويات.هكذا جاء رمضان هذا العام مختلفا، محملا بنداء داخلي صادق: أن اجعل للقرآن مكانه اللائق في حياتك، لا باعتباره برنامجا مؤقتا، بل رفيق درب دائم. فالقرآن لا يطلب منك المستحيل، بل يطلب الصدق والاستمرار، والعودة بعد الانقطاع، والقيام بعد التعثر. ومن ذاق عرف، ومن عرف اقترب، ومن اقترب أنس، ومن آنس لم يعد يطيق فراقا.في زمن تتزاحم فيه الأصوات، ويضيق فيه الصدر، يبقى القرآن هو السكينة الكبرى، والملجأ الأصدق، والطريق الأقرب إلى الله. كل آية تقرأ بصدق، هي خطوة في طريق الطمأنينة، وكل حرف يتلى بخشوع، هو جبر خفي لانكسارات لا يعلمها إلا الله سبحانه. وما رمضان إلا نافذة واسعة نطل منها على هذا النور، لعلنا نعود منها بقلوب أصفى، ونفوس أهدأ، وعلاقة أصدق مع كتاب لا يخيب من لجأ إليه. (اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك).