الرأي

المنصة الحكومية الموحدة هل تصبح واقعا؟

عمر عبدالرحمن الشدي
في زمن التحول الرقمي المتسارع الذي تعيشه المملكة، لم تعد الخدمات الحكومية الالكترونية مجرد خيار بديل عن المعاملات الورقية، بل أصبحت واجهة أساسية لقياس كفاءة الأداء الحكومي ومستوى رضا المستفيدين. ومع ما تحقق من إنجازات رقمية لافتة، تظل تجربة المستخدم داخل بعض المواقع الحكومية تمثل تحديا واضحا، خصوصا لغير المتمرسين في التعامل مع الأنظمة الالكترونية.فالمستثمر ورائد الأعمال اللذان يرغبان في إنجاز معاملة بسيطة - كتجديد رخصة أو استخراج تصريح - قد يجدان نفسيهما متنقلين بين مواقع متعددة، كل منها يتطلب تسجيلا جديدا أو خطوات مختلفة، مع وجود خطوة رائعة ممثلة في «المركز السعودي للأعمال»، إلا أنهما سرعان ما سينتقلان لبعض المواقع لتخصيص الطلبات مثل معاملات الجمارك والمالية وغيرها، تضيع هنا بساطة التجربة التي يفترض أن تكون «رقمية سهلة ومتصلة».هذه المعضلة لا تتعلق بنقص التقنية، فالسعودية من الدول المتقدمة في هذا المجال، بل تتعلق بغياب التجربة الموحدة التي تجمع الجهات المختلفة في واجهة واحدة واضحة، وتقدم رحلة رقمية مبسطة وشخصية لكل مستخدم، أيا كان مستوى خبرته التقنية، ولا أتكلم هنا عن التأسيس لأي معاملة بل ما بعد مرحلة التأسيس والسنوات التي تليها من العمل التنظيمي المشترك بين التاجر والجهات الحكومية.ولذلك، يبرز هنا مقترح إنشاء منصة حكومية موحدة، يمكن وصفها بأنها «لوحة تحكم وطنية» تشمل كل ما يهم المستثمر من بيانات وخدمات ومعاملات.هذه المنصة ستكون بمثابة المظلة الرقمية الكبرى التي تدمج بين الجهات الحكومية المختلفة في واجهة واحدة، بحيث يتمكن المستخدم من متابعة جميع معاملاته ورسومه وتجديداته وتحولاته النظامية من مكان واحد فقط.وتقوم فكرة المنصة على مبدأ الواجهة الواحدة لجميع الخدمات الحكومية، بحيث يدخل المستخدم إلى حسابه ويجد أمامه لوحة شاملة توضح كل ما يخصه من معاملات، سواء كانت تتعلق بالرخص، التراخيص التجارية، التأمينات، وضريبة القيمة المضافة، الإقامات وغيرها، وحتى الخدمات البلدية والنقل والطرق وخلافها.هذه اللوحة ستمكن من عرض الإشعارات في الوقت الحقيقي لمواعيد التجديد القادمة لأي وثيقة أو تصريح، الرسوم المستحقة وأقرب موعد للدفع أو التذكير، إشعارات بالأنظمة أو التعديلات الجديدة التي تمسها، روابط مباشرة للانتقال إلى الجهة المختصة عند الحاجة إلى إجراء تفصيلي، بنرات لآخر المستجدات من التعديلات على الأنظمة أو كل ما يخص المستثمر أو التاجر.الأهم من ذلك أن تكون المنصة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لتتحول من مجرد أداة استعلام إلى «مساعد حكومي ذكي» يستطيع فهم سلوك المستخدم وتوقع احتياجاته مسبقا. فعلى سبيل المثال، إذا لاحظ النظام أن رخصة عمله ستنتهي قريبا، يرسل له تنبيها، ويعرض عليه خيار التجديد بنقرة واحدة دون الخروج من المنصة.تأتي هذه الفكرة مكملة ومطورة للتجارب الحالية التي أثبتت نجاحها مثل المركز السعودي للأعمال، الذي أسهم في توحيد إجراءات تأسيس الشركات واختصار الرحلة البيروقراطية للمستثمرين، وجعل التعامل مع الجهات الحكومية المختلفة يتم عبر بوابة واحدة، هذه التجربة يمكن أن تكون النموذج الإداري والتنظيمي الذي يبنى عليه تطوير المنصة الحكومية الموحدة.كما يمكن الاستفادة من تجربة «توكلنا» التي أصبحت اليوم منصة وطنية متكاملة تظهر كيف يمكن لتطبيق واحد أن يجمع بيانات وخدمات من عشرات الجهات الحكومية في واجهة واحدة بسيطة وسلسة، هذا التكامل الذي يربط بين الأنظمة المختلفة في الخلفية ويقدمها للمستخدم بشكل موحد، هو ما تحتاج إليه الخدمات التجارية اليوم.وسيشكل الجمع بين نموذج «المركز السعودي للأعمال» من حيث التكامل التنظيمي، ونموذج «توكلنا» من حيث التكامل التقني والبياني، قاعدة قوية لإنشاء منصة حكومية موحدة تعيد تعريف تجربة التعامل مع القطاع العام بالكامل.على مستوى المواطن والمقيم، سيعني ذلك تجربة مريحة وسريعة وشفافة، توفر عليه الوقت والجهد، وتقلل الحاجة إلى زيارة مقرات الجهات أو البحث في مواقع متعددة.أما على مستوى الحكومة، فستكون الفائدة مضاعفة، إذ تتيح المنصة تكامل البيانات بين الجهات وتحليلها لاتخاذ قرارات أدق، وتعزيز الرقابة، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، كما تساعد في توحيد واجهات الخدمات الحكومية مما يقلل من التكرار والتعقيد في البنية التقنية الحالية.لقد نجحت المملكة في بناء بنية رقمية قوية ومتصلة بين مختلف القطاعات، والمرحلة المقبلة تتطلب نقلة في تجربة المستخدم نفسها، نحو نموذج رقمي موحد يلغي الفواصل بين الجهات، ويجعل المواطن في مركز التجربة لا في أطرافها.المنصة الحكومية الموحدة ليست مجرد فكرة تقنية، بل هي تحول في فلسفة الخدمة الحكومية، من تعدد النوافذ إلى نافذة واحدة، ومن تعدد الإجراءات إلى رحلة رقمية ذكية ومتصلة، تعكس مكانة السعودية كدولة رقمية متقدمة تضع الإنسان أولا في رؤيتها 2030.alsheddi@