مساحة الضوء بين الكاتب ورئيس التحرير
الاثنين / 28 / شعبان / 1447 هـ - 23:24 - الاثنين 16 فبراير 2026 23:24
في عالم الصحافة، هناك مسافة دقيقة وخيط رفيع يفصل بين القلم والمنصة، بين الفكرة والورق، بين ما يكتب وما ينشر.مسافة، لا تقاس بالسطور ولا بالمساحات البيضاء، ولا بعثرات الفكر، وسوء النوايا، بل بالثقة، وحجم الفهم المتكون بين الكاتب ورئيس التحرير، ضمن حوار شبه صامت بينهما بليغ متجانس.على مدى سنوات طوال من الكتابة، تعلمت أن المقال لا يولد مكتملا عند الكاتب، بل يكتمل عند من يقرأه بعين أخرى؛ تمتلك الوعي والحب لفكر الكاتب، وتتجاوز العاطفة والانفعال والنصح الأبوي، لتزن الكلمة والمعاني بميزان المصلحة العامة، والتوقيت، والاتزان المهني يحسن خطوات الكاتب ويخدم شكل الصحيفة.تنقلت في صحف متعددة، وفي محطتي الحالية أصبحت أتعامل مع قسم التحرير بنوع من توارد الأفكار، وأخص الصديق موفق النويصر رئيس التحرير في صحيفة مكة بالمقال الذي أشعر أنه عاجل أو يحتاج لرأي مرجح.ولم تكن علاقتنا حوارا يوميا ولا بعدا عن كينونة الواقع، بل شعاع من التفاهم العميق والثقة، ومشاعر لا تحتال ولا تدعي ولا تحتاج تبريرا.وكم كنت أجد في صمته ردا، وفي حماسه وقراره قبولا أو رفضا يحمل معاني أبعد من المقال ذاته.تنشأ بين الكاتب ورئيس التحرير القارئ لما خلف السطور علاقة فكر دافعة تشبه كثيرا الشراع والريح.مكونان يحتاجان إلى التكامل، والبوصلة، لبلوغ الأبعاد البعيدة ومرساة الثقة، والعودة.معادلة تصنع صحافة صادقة، متوازنة، لا تندفع بالعاطفة ولا تعوج الدفة، ولا تصطدم بالصخور.تعلمت من تجربة الصحافة في صحيفة مكة أن وجود من يتلقى مقالك بعين ناقدة حريصة هو نعمة لا يدركها إلا من عرف مسؤولية الكلمة، ومواطن وخطوط الضيق، ومن خاض معارك العناوين الساخنة والآراء الحادة التي قد تغري الكاتب بالاندفاع، فيجد حنو صدر الريح يحتويها ويقنن من أضرارها.كم من مرة كان الرفض هادئا، يعرف بمجرد الصمت، وبما يفوق ألف نقاش.وكم من مرة كان القبول شجاعا، يشعرك بأن هناك من يشاركك المشاعر والإيمان بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تقال دون أن تكسر القواعد.رئيس التحرير ليس فقط من يراجع النص، بل من يحميه أحيانا من لحظات انفعال أو سوء توقيت. وهو في جوهره، شريك في الفكر والوعي قبل أن يكون شريكا في النشر.لذلك، فإن الاعتراف بالفضل هنا ليس مجاملة، بل إقرار بعمق التجربة الإنسانية والمهنية التي تنشأ بين عقلين قد يختلفان، وكم يجتمعان على هدف رعاية الكلمة الصادقة فوق منبر طموح يليق بثقة القراء.صحيفة مكة كانت وما زالت بيتي المهني، ومكانا وجدت فيه أهل مساحات البوح، أسمع القارئ صوتي، وعبر منظومة متكاملة من العقول المؤمنة بعلو رسالة الصحافة.كنت أكتب عن الدين والمجتمع، عن الفن والسياسة، عن النقد والحياة، وكنت أسخر، وكم يطربني صدى مقالاتي عند القراء، وضمن ود وحرص وتشجيع بقية الزملاء في الصحيفة، بروح أخوية هادئة لم أجدها نموذجية إلا في رحاب مكة.تمر السنوات، وتتبدل المواضيع، وتتغير نبرة الكتابة بتغير المواقف، ويظل الداعمون أدوار بناء شاخص يستحق الامتنان، فهي ببساطة السبب في بقاء الكلمة مفعمة بالحياة، وتفاعل النبض والنضج، موزونة صادقة لجدوى البوح وللصالح العام.shaheralnahari@