الرأي

العدوى الاجتماعية: القوة الصامتة في المجتمعات الحضارية

مطير سعيد الزهراني
في أحد المقاهي المزدحمة، سقط كوب قهوة من يد شاب يجلس قرب المدخل، فبادر عامل النظافة بالتقدم، لكن قبل أن يصل، نهض رجل من الطاولة المجاورة، التقط المناديل، وبدأ بتنظيف المكان بهدوء، وخلال لحظات، انضم إليه شخصان آخران دون كلمة واحدة، حيث لم يطلب منهم شيء، ولم يكن بينهم سابق معرفة، غير أن مشهد المبادرة حرك فيهم استجابة تلقائية، وما حدث لم يكن صدفة عابرة، بل نموذج لما يعرف في علم النفس الاجتماعي بالعدوى الاجتماعية السلوكية.والعدوى الاجتماعية تعني انتقال السلوك من شخص إلى آخر عبر التفاعل والمشاهدة، فالإنسان بطبيعته كائن محاكٍ؛ يتعلم بالملاحظة قبل التعليم المباشر، ويتأثر بما يراه أكثر مما يتأثر بما يقال له، وقد أظهرت دراسات في علوم الشبكات أن السلوكيات تنتشر داخل الدوائر الاجتماعية كما تنتقل الموجات في الماء؛ تبدأ من نقطة صغيرة ثم تتسع تدريجيا، وقد تصل إلى أشخاص لم يلتقوا بالمصدر الأول أصلا.وهذه الظاهرة تفسر كيف تنتشر العادات اليومية بسرعة لافتة، فحين يبدأ أحدهم باستخدام هاتفه أثناء اجتماع، يتبعه آخرون خلال دقائق، وحين يلتزم شخص بالنظام في طابور طويل، يخف التوتر ويستقر المشهد، فالبيئة الاجتماعية لا تتشكل بالقوانين وحدها، بل بالأنماط التي يكررها الأفراد أمام بعضهم بعضا، وما يمارس علنا يتحول مع الوقت إلى معيار غير مكتوب.وفي المجتمعات الحضارية، تتجلى العدوى الإيجابية بوصفها ركيزة غير مرئية للاستقرار، فحين يرى الناس احتراما متبادلا في الفضاء العام، تتعزز لديهم قناعة بأن هذا السلوك هو القاعدة، وحين تنتشر ثقافة الإتقان في العمل، يرتفع مستوى الجودة دون حاجة إلى رقابة دائمة، فالمبادرات التطوعية - على سبيل المثال - لا تنمو فقط بدافع تنظيمي، بل لأنها تخلق صورا ملهمة يتداولها الناس ويعيدون إنتاجها في محيطهم.إن القوة الحقيقية لهذه العدوى تكمن في بساطتها، ففعل صغير يمكن أن يغير مناخا كاملا إذا تكرر وشوهد، وابتسامة صادقة في بيئة متوترة تخفف حدة المشاعر، وكلمة تقدير علنية ترفع معنويات فريق بأكمله، والتزام فرد بالأنظمة المرورية قد يدفع من خلفه إلى الالتزام ذاته، وبذلك يتضاعف الأثر لأن الإنسان يميل إلى الانسجام مع ما يراه سائدا حوله.وهذا الإدراك يمنح كل فرد مسؤولية أوسع مما يتخيل، فلسنا عناصر معزولة داخل المجتمع، بل نقاط تأثير دائمة، وسلوكنا اليومي يرسل إشارات صامتة إلى الآخرين حول ما هو مقبول وما هو مستحسن، وحين نختار الصدق في موقف عابر، أو نلتزم بمعايير الجودة دون رقابة، فإننا نضيف لبنة إلى ثقافة عامة تتشكل ببطء وثبات.أخيرا، فإن المجتمعات لا تتقدم بالشعارات وحدها، بل بتكرار الممارسات التي تعكس قيمها، والعدوى الاجتماعية تعمل في الخلفية بهدوء، تصنع اتجاهات، وتعيد تشكيل العادات، وتؤسس لما يشبه الإجماع السلوكي، ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: أي أثر نتركه في دوائرنا اليومية؟ فكل تصرف قابل لأن يصبح بداية موجة، وكل موجة قادرة على رسم ملامح حضارة.