الرأي

مشيخة ديجيتال

فرحان الذعذاع
إن محاولة استنبات لقب (الشيخ) في تربة الدولة الحديثة المعبدة بالأنظمة، هي أشبه بمحاولة غرس نخلة في سقف ناطحة سحاب؛ عبث 'سوسيولوجي' لا يورث إلا السخرية. فالمشيخة في العرف البدوي الأصيل لم تكن هبة تمنح خلف الشاشات، ولا صكا يشترى بالمال، بل كانت استحقاقا دمويا معمودا بالغزو، ومختوما بصليل السيوف، ومقترنا بالقدرة على حماية الحمى في زمن كان فيه البقاء لمن غلب.ومع قيام الدولة المعاصرة، وطي صفحة السلب والنهب، أغلق ديوان المشيخة بالشمع الأحمر. فمن حاز اللقب قبل عصر المؤسسات فقد استوفى شروطه التاريخية، أما من يلهث خلف بريقه اليوم فهو يطارد سرابا انقضى أوانه؛ ذلك أن المشيخة سلوك قتالي واجتماعي صارم، لا يستقيم منطقيا مع قوانين المرور، وسجلات الأحوال المدنية، وأنظمة القضاء الحديثة.على الطامحين في لقب (الشيخ) أن يدركوا أن الطريق إليه يمر حصرا عبر الخيول والخيام والكر والفر؛ وبما أن عالمنا اليوم محكوم بالدساتير والقوانين، فإن إطلاق هذا الوصف اعتباطا لا ينتج إلا ما يعرف بـ'شيخة الديجيتال'؛ وهي مشيخة بلا 'شداد'، وسيادة بلا 'عناد'، تثير في نفس المتلقي مزيجا من الشفقة والضحك.وبما أن العودة إلى حياة الغزو تتطلب تذكرة سفر إلى ماض لن يعود، وبما أن كلمة 'شيخ' أصبحت في وعي الناس مرتبطة بقيمة تاريخية لا تستنسخ، فإنني أقترح على الباحثين عن الوجاهة المصطنعة، أو المحبين للألقاب، انتقاء أحد البدائل التالية؛ فهي أقل كلفة تاريخية، وأكثر ملاءمة لعصر 'المكيفات':
  1. عميد آل فلان: لقب يوحي بالوقار العائلي، دون الحاجة لامتلاك سيف صقيل.
  2. عقيد القوم: لمن يرى في نفسه حزما، شريطة ألا يعقد لواء الحرب ضد جيرانه في الحي.
  3. وجيه الجماعة: وصف دبلوماسي ناعم، يليق بمن يتقن فن الجلوس في 'الصدر' وتوزيع الابتسامات.
  4. قطب القبيلة: لمن يحب أن تدور حوله المجالس، دون المطالبة بـ'خاوة' أو 'إتاوة'.
  5. رأس القوم: لقب تشريفي يضمن لك التقديم في العزائم، ويجنبك الحرج التاريخي.
إن الإصرار على لقب (الشيخ) في زمن (السوشل ميديا) هو نوع من الفصام الاجتماعي؛ فإما العودة إلى القفار وركوب الأخطار وانتظار عودة عصر (المنيع) والدية والوسيق، وإما القناعة بمسميات معاصرة تستر عورة الطموح الزائد.تنويه واجب: يود الكاتب أن يلفت عناية القارئ الكريم، الذي استسلم لنعيم العصر ونسي شقاء الأثر، إلى أن ذكر (المكيفات) ثم (المنيع) في سياق واحد، لا يستدعي بالضرورة استحضار قطع الغيار أو ورش الصيانة؛ فـ'المنيع' الذي نعنيه هنا هو ذلك 'الأسير' الذي كبله صليل السيوف لا ضجيج المحركات، وساقه القيد في فيافي الوجد لا في ردهات المعارض. وبما أن ذائقة الجيل الراهن قد تلوثت بمفاهيم الاستهلاك، وجب التنويه أننا نتحدث عن تاريخ يستعاد، لا عن أجهزة تستبدل؛ فالمشيخة الحقة كانت تنال بانتزاع (المنيع) من قلب المعركة، لا بشرائه بضمان سنتين من أقرب وكيل!