الرأي

المنطقة الرمادية في المؤسسات

نوف علي الزامل
في الغالب تتجلى الحكاية أكثر ما تتجلى في لحظة: فكرة تطرح في سياق مهني، حوار محتدم، إشارات إيجابية بلا وعود مباشرة، ولا مبالغة، لكنها كافية لدرجة تجعل الأمر ممكنا وربما بديهيا ثم يحدث ما لا يقال عادة: لا اعتراض، لا اعتذار، لا قرار. أحيانا ثمة قرارات لا تتخذ ليس لأن متنفذا عارضها، بل لأنها تركت في منطقة نائية يسودها اللون الرمادي.

بعض المؤسسات الحديثة، غالبا ما تجهض الأفكار قبل أن تولد، وبكلمة أدق لا تواجه ولا تناقش ولا ترفض، بل تؤجل حتى تفقد قيمتها، وتترك حتى يبهت حضورها. هذا التأجيل ليس حيادا، بل أحد أكثر أشكال القرار شيوعا يمارس بصمت، وهذا ولاريب له تبعاته لجهة من تجرأوا على المبادرة. من هنا تكمن المنطقة الرمادية؛ مساحة لا يظهر فيها الخطأ جليا، ولا يعرف فيها من المسؤول، ولا تسمع فيها كلمة لا، كي تغلق الدائرة بكرامة مهنية.

الصمت المؤسسي لا يأتي من فراغ، وغالبا ما يكون رجع الصد لإدارة فريق غير راغب في الحسم. إدارة تتوارى خلف مفاهيم المحاباة والتحيز، الذي يتحول إلى مظلة تحمي التردد، وترهق أصحاب المبادرات، وتساوي بين الجاد والمتقاعس، تبدو الصورة مختلفة تماما. مؤسسة نشطة، منفتحة، مفعمة بالحوارات والاجتماعات والمبادرات المعلنة. لكن ضمنيا، تتعثر التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الحقيقي؛ المتابعة، الرد، الاستمرارية، والإحساس بأن هنالك من يتبنى الفكرة بعد لحظة طرحها. التحيز ها هنا لا يكون فاضحا ولا مباشرا. لا أحد يقول نعم لهذا ولا لذاك، لكنه يظهر في تسريع ملف، وتجميد آخر، وتجاهل ثالث. وما يسمى بالحياد يتحول عمليا إلى انحياز خفي، يخدم الراحة الشخصية أكثر مما يخدم مصلحة المنظومة. القرار لا يتخذ بوصفه الأجدى والأفضل، بل لأنه الأسهل، أو لأنه لا يحدث جلبة، حتى لو كان الأكثر كلفة.

يبقى القول: لا يمكن للمؤسسات أن تستمر في تبرئة ساحتها من الإخفاق بذريعة حسن النوايا. فالنوايا لا تدير فرقا، ولا تنقذ فرصا، ولا تنتج أثرا. ما يقتل العمل هو التردد، والتأرجح إن صح الوصف وليس الرفض، هو الصمت وليس الضغط، هو الحياد الرعراع. فكل فكرة ومبادرة تهمل هي قرار إداري مؤجل، و مسؤولية لم يجرؤ أحد على حملها. المؤسسات التي تخشى قول لا بوضوح، أو نعم بالتزام، لا تعاني من نقص في الكفاءات، بل من عجز يهدر الكوادر، ويستنزف الخبرات، ويكافأ الصمت السلبي أكثر مما يكافأ الفعل الإيجابي. هذه المنطقة الرمادية تحتضن أو لنقل تتبوأ الفشل الإداري المقنع، وفي نهاية المطاف نتمنى أكثر ما نتمنى على القطاع الخاص التنحي من المنطقة الرمادية قدر المستطاع ومن تجلياتها المحسوبيات والمنسوبيات خصوصا إذا ما علمنا بأنها آفات تنخر جسد المنظومة ولن تقوم لها قائمة.