اليمن وجيناته السياسية
الاحد / 27 / شعبان / 1447 هـ - 02:16 - الاحد 15 فبراير 2026 02:16
شاهدت مؤخرا لقاء مرئيا عبر «اليمن بودكاست» مع السفير مصطفى نعمان نائب وزير الخارجية اليمني في الحكومة الماضية والحالية، وكم أعجبني تعاطيه المرن مع واقع الحكومة الحالي وجوانب قوتها أو ضعفها استجابة لطرح المحاور أسامة عادل الهادئ والذكي. على أن هذه المرونة النعمانية - إن جاز القول - ليست غريبة على السفير مصطفى، فهو قد ورثها من والده السياسي والأديب الأستاذ أحمد محمد نعمان يرحمه الله، وحتما تشربها من محيطه الأسري كذلك.
أشير إلى أن تلك الحصافة ليست حكرا عليه، بل هي ديدن كثير من السياسيين اليمنيين وغيرهم المنتمين لعوائل سياسية عريقة، أو مشيخة قبلية أصيلة، فتراهم هادئين في خلافهم مع قوة في النزال والمواجهة، بعيدين عن قطع خيوط التواصل والاتصال، وتلك مهارة السياسي منذ الابتداء وحتى اليوم.
وواقع الحال فمعرفتي بالسفير مصطفى قديمة وإن كانت لقاءاتنا قليلة بحكم التباعد الجغرافي، وهي ممتدة تاريخيا، فوالده يعرف والدي، وأسرته تعرف أسرتي، وبينهما احترام كبير بالرغم من وضوح حالة الخلاف السياسي في عديد من القضايا، كما هو الحال اليوم بيني وبين السفير مصطفى نعمان، حيث أختلف معه في بعض وجهات النظر السياسية، لكن خلافنا في الرأي والطرح والنظرة، لم يكن ليؤثر على طبيعة تواصلنا البيني بكل مودة واحترام، وليس ذلك مقصورا عليه وعلي، بل هو أيضا ممتد إلى كثير من السياسيين والمشايخ القبليين بوجه عام.
إذن هي السياسة التي تعني في عنوانها الأوسع فن التعامل بالممكن، لكنها في مضمونها الدقيق تعني القدرة على كسب الأصدقاء وتحييد المخالفين بصورة هادئة، وهو المنهج الذي يتمرّسه الإنسان بالتجربة، فتتشكل خبرته وتزداد قوتها بحسب طبيعة ما يعيشه من تجارب متراكمة، تبتدئ منذ اللحظة التي يتشكل فيها وعيه المعرفي، فإن كان منتميا لأسرة سياسية أو مشيخية كان ابتداء وعيه مبكرا عن غيره، لكونه منغمسا في التجربة بغير اختيار منه، وهو ما يكسبه خبرة متراكمة تجمع بين ما يكتسبه رأيا بالعين، وسماعا بالأذن، وما يرثه من حكايات سالفة، وتجارب حكيمة، ينتمي إليها مجتمعا وسلوكا.
على أن ذلك ليس حكما ثابتا يسري على كل المنتمين لتلك العوائل السياسية أو المشيخية، فكم من شخص ضيع إرث أسرته بحماقته وجهله، وفي المقابل، كم شخصا صنع له مجدا سياسيا وحكمة قبلية بجهده واجتهاده، دون أن يرتكز إلى أي إرث أسري أو قبلي، ليصبح عنوانا بحكمته السياسية ووعيه المجتمعي ويؤسس له مجدا خاصا به ليس لأحد الفضل فيه.
أخلص مما سبق لأقول: إن اليمن بسيط في مضمونه لمن فهم مفاتيحه الصحيحة، وعرف كيف يتعامل معها بحكمة واقتدار، وهو صعب جدا لمن تاه عن تلك المفاتيح، أو لم يحسن التعامل معها بما يجب. مع أهمية قراءة طبيعة تكوينه السياسي بعين محايدة، متحررة من أي نظرة أيدولوجية، دون أن تغفل النظر في تكوينه التاريخي والاجتماعي والسياسي والجغرافي.