النية المسبقة والبركة المتحققة
الخميس / 24 / شعبان / 1447 هـ - 12:43 - الخميس 12 فبراير 2026 12:43
مع تسارع الأعمال، واشتداد المنافسة وكثرة الانشغال، ربما تتوارى القيم بعض الشيء، ويحضر شح الأنفس لتحقيق المكاسب، وزيادة الدخل، ويغيب السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه على ذاته كل تاجر ومقدم خدمة وبائع وصاحب محل: هل للنية والبركة أثر على المنتج الذي أقدمه للآخرين في الكم والكيف والنوع والقيمة؟ وهنا أتحدث تحديدا عما يخص أقوات البشر اليومية ومقوماتهم الحياتية في مأكلهم ومشربهم صحتهم وغذائهم.في ديننا الإسلامي وثقافتنا الاجتماعية، لم يكن العمل مجرد مهنة للكسب؛ بل انعقاد مسبق للنية يتبعه سلوك معزز بالأداء. وفي شاهد الحديث الشريف تأكيد على ذلك: «إنما الأعمال بالنيات...»، وهي قاعدة تشمل سائر التعاملات البينية الخاصة والعامة بين العبد وربه والعباد فيما بينهم، ومنها نية صنع الطعام؛ إعداده وطبخه وتقديمه بطيب نفس؛ وفي الحديث الشريف «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» توجيه صريح بتطييب النفس وتزكيتها.حين ننبش في صندوق الذاكرة البعيدة قديما والقريبة حديثا، نجد نماذج لباعة، لا يملكون المحلات العصرية ولا الحملات التسويقية ولا الدعايات الاجتماعية؛ لكن منتجاتهم عالقة في القلوب قبل الألسن. مثل بائع الفول والتميز والمطبق والمعصوب الذي يبدأ يومه مبكرا، يبارك طعامه ويعمل جاهدا على انتقاء نوعيته وتحضير مقاديره. وبائع العصيد والهريس الذي يتقن صنعته بصبر وإخلاص، وبائعو اللحم والمرق والدجاج والمأكولات البحرية الذين يختارون الأجود والأفضل، وبائع الجبن والحلاوة والزيتون وبائع المشروبات الساخنة والباردة.جميعهم مصنفون كمعلمين لصنعاتهم؛ تميزوا بمنتجاتهم المتعارف عليها مجتمعيا مع محافظتهم على السعر المعقول والجودة العالية وسماحة التعامل بمخافة الله أولا ثم لإرضاء العميل حتى يغادر الدكان قرير العين شاعرا بالارتياح والشبع المصحوب بسهولة الهضم وسلامة الجسم.برأيي، إن تلك الحالة الشعورية وذلك الارتياح لم يكونا عشوائيين ومحض صدفة، بل تعبير عملي عن النية المسبقة الطيبة في القول والعمل التي هذبت السلوك، وكبحت الجشع ودفعت البائع للتعامل بالرحمة والإحسان وأرضت وجبرت خاطر الإنسان، هذه القيم جعلت الطعام طيب المصدر، طيب المنظر، طيب الأثر.علم النفس الحديث من خلال سيكولوجية الأكل يتحدث عن «الطعام العاطفي» وأثر البصمة النفسية للذي يقوم بإعداد الطعام؛ ويقال في العامية «نَفَسُه في الأكل طيب»؛ وتشير الدراسات السلوكية إلى أن الزبون لا يشتري الطعام فقط، بل التجربة والشعور بالارتياح. وهنا تتقاطع الدراسات المشار إليها مع المفهوم الإيماني للنية والبركة؛ اللتين تعكسان السعة المعنوية والزيادة المادية.كم من محل صغير صمد واستمر رغم ندرة الإمكانات وصعوبة المهن قديما، وكم من اسم كبير اختفى وتبخر مع وفرة الإمكانات وسهولة المهن حاليا.العمل الخالص مع رب العباد حينما يحضر، يظهر مع العباد؛ في لذاذة الطعام وطيب السمعة، واستدامة القبول، واستمرار الرزق بالنية المسبقة التي تتحقق معها البركة.Yos123Omar@