الخوارزميات الرقمية: ضبط اجتماعي أم تفكيك وعي جماعي؟
الخميس / 24 / شعبان / 1447 هـ - 12:26 - الخميس 12 فبراير 2026 12:26
لم يعد الضبط الاجتماعي في العصر الرقمي حارسا يقف على أبواب السلوك كما كان في السابق، بل أصبح خوارزمية صامتة تعمل في الخلفية، تقترح وتخفي، تبرز وتهمش، وتعيد تشكيل وعينا اليومي دون أن نشعر. فبين نقرة إعجاب، وتمرير شاشة، وتعليق عابر، تتسلل الخوارزميات لتؤدي دورا يتجاوز التقنية، إلى ممارسة سلطة اجتماعية ناعمة تعيد إنتاج القيم أو تضعفها.تقوم الخوارزميات الرقمية على منطق بسيط في ظاهره: ما يلقى تفاعلا أكبر يستحق انتشارا أوسع. غير أن هذا المنطق البسيط يحمل أثرا اجتماعيا بالغ العمق، إذ يتحول «الأكثر تداولا» إلى «الأكثر قبولا»، ويتحول الرأي الشائع إلى معيار غير معلن للصواب. هنا تبدأ الخوارزميات في أداء وظيفة الضبط الاجتماعي، ليس عبر المنع أو العقاب، بل عبر المكافأة الرمزية بالانتشار والاعتراف.في هذا السياق، يعيد الأفراد تشكيل خطابهم وسلوكهم طوعا، فيمارسون رقابة ذاتية دقيقة، ويتجنبون ما قد يخرجهم من دائرة القبول الرقمي. وهكذا يتشكل نمط جديد من الامتثال الاجتماعي، لا تفرضه مؤسسة، ولا يعلنه قانون، بل تصنعه معادلات رياضية تحكم تدفق الانتباه.لكن الوجه الآخر لهذا المشهد أكثر تعقيدا. فالخوارزميات لا تكتفي بإعادة إنتاج السائد، بل تسهم في إضعاف آليات الضبط الاجتماعي التقليدية. لقد فقدت الأسرة، والتعليم، والإعلام الكلاسيكي جزءا من قدرتها على توجيه القيم، في ظل منافسة شرسة من منصات رقمية تصنع مرجعيات بديلة، سريعة التأثير، واسعة الانتشار، وعابرة للحدود.ومع هذا التحول، لم تعد المعايير الاجتماعية مستقرة، بل أصبحت سائلة، قابلة للتبدل مع كل «ترند» جديد. ما كان مرفوضا بالأمس قد يصبح مألوفا اليوم، وما كان هامشيا قد يتحول إلى خطاب مركزي، لا لقيمته المعرفية، بل لقابليته للانتشار وإثارة الجدل. وهنا تتراجع فكرة الإجماع القيمي، لتحل محلها جماعات رقمية مغلقة، لكل منها معاييرها الخاصة، وسردياتها، وأحيانا تصوراتها المتطرفة.الأخطر من ذلك أن الخوارزميات، بحكم اعتمادها على التفاعل والانفعال، تميل إلى تضخيم المحتوى الاستقطابي والمثير، مما يفتح الباب أمام المعلومات المضللة، ويغذي الانقسام الفكري، ويضعف المناعة النقدية لدى المتلقي. وبهذا المعنى، لا يصبح التهديد موجها للسلوك فقط، بل للوعي ذاته، وهو ما يضع الأمن الفكري أمام تحد حقيقي.ومع ذلك، فإن الإشكال لا يكمن في الخوارزميات بحد ذاتها، بل في غياب الوعي بدورها الاجتماعي. فهي ليست شرا مطلقا ولا أداة حيادية، بل قوة مؤثرة تحتاج إلى فهم، وضبط، وتوجيه. فبدل مقاومة الفضاء الرقمي، يصبح الرهان الحقيقي على بناء وعي نقدي رقمي، وتمكين الخطاب المعرفي الرصين من منافسة المحتوى السطحي، وتعزيز حضور المؤسسات الثقافية والتعليمية في المجال الرقمي بفاعلية وجاذبية.في النهاية، يمكن القول إن الخوارزميات لم تلغ الضبط الاجتماعي، بل أعادت صياغته في شكل جديد: ضبط غير مرئي، غير مركزي، قائم على الانتباه بدل السلطة، وعلى الإقناع بدل الإكراه. وبين إعادة الإنتاج وإضعاف الضبط، يتحدد مستقبل الوعي الجمعي، ويختبر توازن المجتمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الانفتاح وحماية المجتمع.بالإضافة إلى ما سبق، يطرح هذا التحول أسئلة أساسية حول مفهوم المسؤولية في الفضاء الرقمي. ففي ظل الخوارزميات، لم يعد الفرد متلقيا سلبيا للمحتوى فحسب، بل أصبح مشاركا في عملية ضبطه الذاتي، ونسج المعايير الرقمية، وحتى في ترسيخ ما قد يصنف لاحقا كقيم اجتماعية. هذه المشاركة غير الواعية قد تقود إلى تقليص الفضاء العام للنقاش الحر، وتحويله إلى فضاء مصفى بحسب مصالح المنصات أو ميول الخوارزميات نفسها، ما يخلق ما يمكن تسميته بـ(التحيز الهيكلي للانتباه)، حيث تمنح بعض الأفكار صوتا أكبر من أفكار أخرى ليس لقيمتها أو صحتها، بل لمدى قدرتها على جذب التفاعل.من هنا، يظهر دور البحوث السوسيولوجية وعلم النفس الاجتماعي في فهم كيف تتشكل السلوكيات الجماعية في ظل الخوارزميات، وكيف تتغير تصورات الأفراد عن المعيار الاجتماعي، والصواب والخطأ، والمقبول وغير المقبول. فالأثر لا يقتصر على تغيير الأفعال، بل يشمل إعادة تشكيل الإطار المعرفي والوجداني الذي يتفاعل معه الأفراد يوميا.كما يطرح هذا الواقع تحديا أخلاقيا للقائمين على تصميم الخوارزميات، إذ يقع على عاتقهم مسؤولية أكثر من مجرد تحسين الأداء التقني أو زيادة التفاعل. فهم يحتاجون إلى الانتباه لتأثير قراراتهم على القيم والسلوكيات، وللحد من استقطاب الخطاب أو انتشار المعلومات المضللة، دون أن يتحولوا إلى رقابة مركزية.في ضوء ذلك، يصبح التعليم الرقمي والوعي الإعلامي أداتين حيويتين لمواجهة تحديات هذا الضبط الجديد. فالمجتمعات التي تنجح في بناء قدرة نقدية لدى أفرادها، وتمكينهم من التمييز بين المحتوى المؤثر والمضلل، ستتمكن من استعادة جزء من الضبط الاجتماعي التقليدي، مع الحفاظ على خصائص العصر الرقمي من سرعة ومرونة وانفتاح.ختاما، يمكن اعتبار الخوارزميات الرقمية مرآة مزدوجة للمجتمع: فهي تعكس ما هو قائم من قيم وسلوكيات، وفي الوقت نفسه تعيد تشكيلها، أحيانا بطريقة واعية، وأحيانا بطريقة لا شعورية. والمفتاح يكمن في القدرة على فهم هذه المرآة، والتفاعل معها بوعي، ليصبح الضبط الاجتماعي في العصر الرقمي أداة لبناء وعي جمعي متوازن، لا مجرد أداة للتحكم أو التأثير الخفي.في العصر الرقمي، لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت قوة اجتماعية ناعمة تعيد تشكيل السلوك والقيم والوعي الجمعي. هي ليست سلطة مباشرة، لكنها تحفز الامتثال الذاتي، وتعيد إنتاج المعايير عبر الانتباه والتفاعل، مع ما يحمله ذلك من فرص للابتكار وخطر للاستقطاب. والرهان الحقيقي اليوم ليس على مقاومة الفضاء الرقمي، بل على بناء وعي نقدي رقمي قادر على تمييز القيم من الإثارة، والمعلومة من التضليل، لتظل المجتمعات قادرة على ممارسة ضبط اجتماعي متوازن، يجمع بين الحرية والمسؤولية، والانفتاح وحماية المعيار الأخلاقي والمعرفي.Alsuhaymi37@