الرأي

تفكيك مهني لظاهرة تضخم الألقاب في عصر السوشال ميديا

فهيد العديم


لم يعد لقب «إعلامي» توصيفا مهنيا واضح الحدود كما كان في زمن المؤسسات التقليدية، فمع صعود المنصات الرقمية، توسعت مساحة النشر والتأثير، وأصبح اللقب يستخدم أحيانا كهوية تسويقية أكثر منه توصيفا قائما على الممارسة المهنية، فهذه التحولات تفرض إعادة التفكير في المعايير التي تمنح هذا اللقب، دون الوقوع في ثنائية الإقصاء أو الفوضى المفاهيمية.

تاريخيا، ارتبط العمل الإعلامي - وبالأخص الصحفي - بمنهجية تقوم على التحقق والاستقلالية وخدمة المصلحة العامة، وليس فقط على القدرة على الوصول للجمهور، ومع التحول الرقمي، لم يعد السؤال «هل تعمل في مؤسسة؟» بل «هل تمارس العمل وفق معايير إعلامية؟» فالتكنولوجيا فتحت المجال أمام أصوات جديدة، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة المفاهيم عندما تستخدم الألقاب دون أساس مهني واضح.

في هذا السياق، يمكن توسيع مفهوم الإعلامي ليشمل صناع محتوى مستقلين، لكن بشرط توفر ثلاثة عناصر أساسية: الالتزام الأخلاقي من حيث الدقة والشفافية، الأثر الاجتماعي من خلال تقديم محتوى يثري الوعي العام، والاستقلالية عبر وضوح المصالح والعلاقات التجارية والسياسية، فالمعيار لم يعد المنصة، بل طريقة العمل والمسؤولية تجاه الجمهور.

غير أن انتشار اللقب في السوشال ميديا رافقه عدد من المغالطات الشائعة التي أسهمت في إضعاف معناه المهني، أولى هذه المغالطات الاعتقاد بأن عدد المتابعين يمنح صفة إعلامية، بينما الحقيقة أن التأثير الجماهيري لا يعوض غياب المنهجية المهنية، وثانيها أن امتلاك منصة نشر يعني ممارسة الإعلام، رغم أن الإعلام يبدأ بالتحقق والتحرير قبل النشر، أما المغالطة الثالثة فهي الخلط بين الشهرة والمصداقية، إذ تبنى الثقة عبر الممارسة المستمرة لا عبر الانتشار السريع.

المغالطة الرابعة تتمثل في اعتبار نقل الأخبار عملا صحفيا مكتملا، بينما يتطلب العمل الصحفي فهم السياق والتحليل والمسؤولية القانونية، والخامسة هي اعتبار كل محتوى ترفيهي أو معلوماتي عملا إعلاميا، رغم أن غياب الهدف المعرفي أو الخدمة العامة يخرجه من الإطار المهني، أما السادسة فتفترض أن العمل خارج المؤسسات يلغي المهنية، في حين أن الاستقلال ممكن لكنه يحتاج شفافية أعلى وانضباطا أكبر..

وأخيرا، يظن البعض أن استخدام اللقب في السيرة الذاتية يمنحه شرعية، بينما الواقع أن الممارسة هي التي تصنع الهوية المهنية لا العكس.

المشكلة الحقيقية ليست في ظهور إعلاميين جدد خارج المؤسسات، بل في غياب إطار واضح يميز بين التأثير الإعلامي والممارسة المهنية، فالمستقبل لا يتجه نحو احتكار اللقب، ولا نحو إطلاقه بلا ضوابط، بل نحو إعادة تعريفه على أساس القيم المهنية والمسؤولية الاجتماعية.

إن لقب «إعلامي» ينبغي أن يكون نتيجة ممارسة مسؤولة تراكم الثقة العامة، لا مجرد توصيف جذاب في فضاء رقمي مزدحم بالأصوات، وعندما تربط الألقاب بالمعايير، يصبح توسيع المفهوم تطورا صحيا يعكس تحولات العصر، لا مؤشرا على فقدان المعنى.