الرأي

وجهة مسار نموذج عالمي

برجس حمود البرجس


في مدينة مثل مكة المكرمة، لا يمكن للتطوير العمراني أن يظل حبيس أنماط البناء التقليدي الذي يختصر المشروع في أرض تشترى، ومبنى يشيد، ووحدات تباع. فالتحدي الحقيقي في مدينة تستقبل سنويا عشرات الملايين من الحجاج والمعتمرين والزوار، هو كيف يتحول البناء من منتج عقاري، مسكن ومحلات، إلى منظومة حضرية حية قادرة على العمل والتطور وخلق أثر طويل المدى. ومن هنا يبرز التحول النوعي الذي تمثله وجهة مسار كنقلة فكرية قبل أن تكون مشروعا عمرانيا.

يعكس هذا التحول انتقال مكة نحو نموذج حضري جديد وفريد من نوعه في العام، يقوم على إنتاج القيمة المستمرة بدل تصفية الأصول. فالمكان لم يعد مجرد وعاء للأنشطة التجارية وتوفير المساكن للزوار، بل أصبح بنية متكاملة تدار وتشغل وتتكامل مع المنظومة العمرانية التي حولها. وكما ورد في مقال للرئيس التنفيذي لوجهة مسار، فإن المدينة حين تصمم كمنظومة مترابطة تخدم الإنسان أولا، فإنها تصبح قادرة على توليد قيمة اقتصادية واجتماعية ومعرفية تتراكم مع الزمن، لا تتلاشى بانتهاء البيع.

وقد تجلى هذا الفكر بوضوح في تصميم وجهة مسار، حيث جرى التركيز على الإنسان بوصفه محور التخطيط. فالوجهة توفر بيئة مشي مريحة وآمنة، وتنسج علاقة ذكية بين الضيافة، والخدمات، والمساحات العامة، لتتحول الحركة اليومية للناس من عبء مروري إلى فرصة حضرية، وبذلك يصبح المكان منتجا له قيمة تجدد يوميا بقيمته للإنسان والأعمال والمعرفة.

ولا تقاس قيمة مسار بمساحتها أو امتدادها العمراني، بل بقدرتها على خدمة الإنسان وتعظيم الأثر الاجتماعي، وبناء علاقة متوازنة بين المكان ومستخدميه واستدامته، فهو نموذج يدار وفق معايير عالمية في الاستدامة والحوكمة، بما يضمن مسؤولياته تجاه البيئة والمجتمع والأجيال القادمة.

ومن هذا المنطلق، تسهم وجهة مسار في إعادة تعريف دور مكة المكرمة في المشهد الحضري العالمي، فبدل أن تكون مدينة تستقبل التدفقات البشرية فقط، أصبحت مختبرا حيا لإنتاج نماذج تشغيل حضرية، وبناء معرفة متخصصة، وتطوير كوادر بشرية قادرة على إدارة مدن معقدة عالية الكثافة. وبهذا المعنى، كما أشار الرئيس التنفيذي في مقاله، تحول تجربة مسار إلى نموذج حضري وتجاري قابل للتصدير عالميا، ومع المحافظة على خصوصية مكة وقدسيتها، فإنه يقدم في الوقت ذاته رؤية معاصرة لمدن مستدامة تخدم الإنسان قبل كل شيء.