الرأي

من عقيدة الردع إلى فخ التصعيد: الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراع بين نصر بلا حرب وحرب بلا أفق

تركي القبلان


تظهر التجربة الأمريكية الحديثة تحولا واضحا في فلسفة إدارة التوتر الدولي، حيث باتت واشنطن أكثر ميلا إلى إدارة الصراعات بدلا من تفجيرها، أي الإبقاء على مستوى التوتر ضمن حدود قابلة للتحكم تتيح لها ممارسة الضغط والمساومة دون الانزلاق إلى كلفة حرب شاملة. يتسق هذا التوجه مع حالة الإرهاق التي يعاني منها الداخل الأمريكي من الحروب الطويلة، ومع التحول الاستراتيجي نحو جعل مواجهة الصين أولوية قصوى. في هذا السياق يستخدم الوجود البحري الكثيف غالبا بوصفه رسالة ردع وأداة لإدارة الإدراك أكثر منه مقدمة تلقائية للحرب، بمعنى خلق توتر محسوب يضبط سلوك الخصوم بدلا من أن يطلق مواجهة مفتوحة، ضمن ما يمكن تسميته استخدام الأساطيل كأداة ردع لا كبوابة حرب.

ولفهم هذا التحول الاستراتيجي بعمق يجدر بنا العودة إلى لحظة فارقة في السياسة الأمريكية المعاصرة، تحديدا مع صعود دونالد ترامب وأسلوبه في التعامل مع الملف الإيراني. منذ الولاية الأولى لترامب حاولت قراءة شخصيته مبكرا، خاصة عندما ألغى الاتفاق النووي مع إيران وخرج من صيغة خمسة زائد واحد وما تبع ذلك من تصعيد واسع. وبعد إسقاط إيران طائرة أمريكية مسيرة متقدمة في الخليج في يونيو 2019، تعمقت في فهم الآلية التي قد يعتمدها لمواجهة طهران، وخلصت إلى أنه يستلهم منطق عقيدة نيكسون، تلك العقيدة التي جاءت كحصاد مر لتجربة فاشلة في فيتنام، حيث أدركت واشنطن بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والبشري أن الحرب الشاملة لم تعد خيارا قابلا للاستدامة سياسيا أو اقتصاديا. ما أطلق عليه نيكسون «نصرا بلا حرب» محاولة لتحويل الانسحاب من مستنقع فيتنام إلى سردية حول تحقيق المكاسب عبر الردع والضغط المركب، وتحميل الخصم كلفة نفسية واقتصادية متصاعدة لدفعه إلى طاولة المفاوضات.

هذه العقيدة لم تكن نصرا بلا حرب بالمعنى الحرفي بل كانت إعادة توزيع لأعباء الحرب من خلال فيتنمة الصراع، أي نقل المسؤولية القتالية للحلفاء المحليين وتوسيع المواجهة جغرافيا إلى كمبوديا ولاوس، مع الاحتفاظ بالقدرة على الضربات الجوية الاستراتيجية كورقة ضغط نهائية.

إذ الجامع بين نيكسون وترامب يتمثل في تفضيل التهديد الموثوق على الاستخدام الواسع للقوة، وتوظيف التصعيد الخطابي والعسكري المحدود كأداة تفاوض، والسعي إلى تغيير سلوك الخصم لا إسقاطه عسكريا.

لكن ثمة اختلافا جوهريا في السياق البنيوي لممارسة هذه الاستراتيجية، فنيكسون عمل ضمن توازن قوى ثنائي واضح في إطار الحرب الباردة، حيث كانت قواعد اللعبة نسبيا مفهومة وقنوات الاتصال مع الخصم السوفييتي مؤسسية ومستقرة، كما امتلك هامش مناورة واسعا تجلى في الانفتاح التاريخي على الصين لموازنة الضغط السوفييتي، وواجه خصوما يشتركون معه في منطق الردع النووي المتبادل، ما وفر حدا أدنى من اليقين الاستراتيجي. بالمقابل يواجه ترامب عالما متعدد الأقطاب بلا قواعد مستقرة، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية مع التنافس العالمي، ويعمل وسط انقسام مؤسساتي داخلي حاد يحد من قدرته على صياغة استراتيجية متسقة طويلة المدى، ويتعامل مع خصوم أقل قابلية للتنبؤ بسلوكهم سواء كانوا أنظمة أيديولوجية كإيران، أو قوى صاعدة كالصين، أو فاعلين غير دوليين كالميليشيات العابرة للحدود التي باتت تلعب أدوارا محورية في معادلات الردع الإقليمي.

الفارق الحاسم أن نيكسون رغم فشله في فيتنام، صاغ عقيدته ضمن رؤية مؤسساتية مع كيسنجر ومجلس الأمن القومي، وخلق يقينا استراتيجيا طويل المدى تجلى في الوفاق مع الاتحاد السوفييتي ومعاهدات الحد من التسلح، بينما يمارس ترامب استراتيجيته بأسلوب صدامي واستعراضي يخلق عدم يقين تكتيكيا قصير المدى. الأول بنى نظاما دوليا جديدا من رحم الفشل، والثاني يستثمر في فوضى يصنعها بنفسه دون أفق واضح لما بعدها. لكن هذه المقارنة التاريخية رغم أهميتها لا تكفي لفهم المخاطر الكامنة في هذه الاستراتيجية. فعند تفكيك آلياتها العملية تظهر الأساطيل ضمن ثنائية معقدة بين الردع والفخ الاستراتيجي، فصحيح أن الوجود البحري الكثيف أداة ردع لكن الردع نفسه قد يتحول إلى فخ محتمل، ذلك أنه كلما زاد الانتشار البحري زادت نقاط التماس المحتملة وارتفع احتمال وقوع الحادث غير المقصود الذي قد يتحول إلى تصعيد لا إرادي لا يمكن السيطرة عليه. التاريخ مليء بأمثلة ذلك: ففي حادثة خليج تونكين عام 1964م استخدم هجوم بحري مشكوك في تفاصيله كذريعة لتصعيد هائل في فيتنام، وفي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م كاد العالم ينزلق إلى حرب نووية بسبب سلسلة من سوء الفهم والإشارات المتضاربة، بل وحتى الحرب العالمية الأولى انفجرت من سلسلة تعبئات عسكرية كان المفترض أن تكون رادعة، لكنها خلقت ديناميات لم يعد بالإمكان التحكم فيها.

هذه الأمثلة التاريخية ليست مجرد سوابق بعيدة، بل تتكرر ديناميتها في صراعاتنا المعاصرة. والحالة الإيرانية تقدم مثالا حيا على ذلك، حيث يتبادل الطرفان الأمريكي والإيراني رسائل عسكرية واقتصادية يفسرها كل منهما وفق إدراكه الخاص، مما يخلق دوامة من سوء الفهم المتبادل. وسوء التفسير هو أحد أكثر مصادر الحروب شيوعا عبر التاريخ، فما تراه واشنطن إشارة ردع قد تفسره طهران كدليل على نوايا عدائية هجومية، مما يدفعها للتسلح والمقاومة والتصعيد الوقائي بدل الخضوع والتراجع. وهذا ما تفسره نماذج التفاعل الاستراتيجي من خلال مفهوم معضلة الأمن، حيث الإجراءات الدفاعية لطرف تفسر كتهديدات هجومية من الطرف الآخر، فتنشأ حلقة تصعيد متبادلة لا يرغب فيها أحد لكن لا يستطيع أحد إيقافها.

والحالة الإيرانية المعاصرة تقدم مثالا حيا على هذه الديناميات المعقدة، فبعد إسقاط إيران للطائرة المسيرة الأمريكية في يونيو 2019م، وصل التوتر إلى ذروته، لكن التصعيد توقف عند عتبة معينة لأسباب تتعلق بحسابات الكلفة والفائدة من الطرفين ووجود قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين وإدراك الطرفين لحدود ما يمكن تحمله. يظهر التاريخ أن الضغط المفرط غالبا ما يولد مقاومة أكثر تصلبا خاصة لدى الأنظمة الأيديولوجية التي تستمد شرعيتها من منطق المواجهة والممانعة. صحيح أن هناك حالات نجحت فيها استراتيجية الضغط الأمريكية نسبيا، كما في حالة ليبيا التي فككت برنامجها النووي بعد 2003م تحت ضغط الحرب على العراق والعزلة الدولية، أو قبول إيران نفسها بالتفاوض الذي أدى لاتفاق 2015م بعد تشديد العقوبات، لكن هذه النجاحات كانت مؤقتة أو محدودة، فليبيا انتهت إلى فوضى وحرب أهلية بعد التدخل الغربي 2011، والاتفاق النووي الإيراني انهار بعد ثلاث سنوات فقط من خروج ترامب منه.

وهذا يطرح سؤالا جوهريا عن شروط نجاح استراتيجية الضغط، والجواب يكمن في طبيعة النظام المستهدف ودرجة اعتماده على الشرعية الأيديولوجية مقابل الشرعية التنموية، ففي الأنظمة التي تعتمد على الأداء الاقتصادي كمصدر للشرعية قد تنجح العقوبات في دفعها للتفاوض، بينما في الأنظمة التي تستمد شرعيتها من خطاب المقاومة والصمود قد تأتي العقوبات بنتائج عكسية تماما. أمثلة ذلك واضحة في كوبا التي صمدت تحت أكثر من ستة عقود من الحصار الأمريكي والنظام لا يزال باقيا، لأن الحصار نفسه تحول إلى مصدر شرعية للنظام ومبرر لكل إخفاقاته الاقتصادية، وفي إيران التي خضعت لخمسة وأربعين عاما من العقوبات المتصاعدة لكنها شهدت تسارعا في برنامجها النووي وتوسعا في نفوذها الإقليمي، لأن الضغط الخارجي عزز التيار المتشدد داخل النظام وأضعف التيار الإصلاحي الذي كان يراهن على الانفتاح، وفي كوريا الشمالية التي عانت عقودا من العزل لكنها انتهت دولة نووية فعلية قادرة على تهديد المصالح الأمريكية مباشرة، لأن النظام أدرك أن السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لبقائه.

المتغير المشترك بين هذه الحالات الثلاث رغم اختلافها في السياق الجغرافي والموارد والحلفاء هو فشل استراتيجية العقوبات الشاملة في تغيير الأنظمة الأيديولوجية التي تجعل من المواجهة مع الخارج جوهر هويتها وسردية شرعيتها. لكن فهم هذه الديناميات لا يكتمل دون استحضار البعد الاقتصادي السياسي للاستراتيجية الأمريكية، فالعقوبات الأمريكية فعالة ليس فقط بسبب القوة العسكرية بل لأن الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية، وأمريكا تسيطر على شبكة المدفوعات الدولية والنظام المصرفي العابر للحدود، وهذا يفسر لماذا تعتمد واشنطن على الضغط الاقتصادي كبديل للحرب في عصر تراجع الإجماع الداخلي على استخدام القوة العسكرية. لكن هذه الأداة نفسها قد تتآكل فعاليتها تدريجيا مع صعود أنظمة دفع بديلة وتزايد التجارة بالعملات المحلية وانخراط الصين وروسيا في بناء بنية تحتية مالية موازية، مما يعني أن النافذة الزمنية لفعالية استراتيجية الضغط الاقتصادي قد تكون محدودة أكثر مما تظن واشنطن.

في ضوء هذه المحددات والمخاطر يمكن القول إن إدارة الصراع قد تمنع الحرب مؤقتا، لكنها لا تضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية ولا تؤسس بالضرورة لاستقرار دائم يمكن البناء عليه. نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب شروطا محددة قلما تتوفر مجتمعة، أولها وضوح قنوات الاتصال وآليات تخفيف التصعيد بين الخصوم لتجنب الانزلاق اللاإرادي للحرب، وثانيها وجود مصالح مشتركة قابلة للتفاوض حولها تتجاوز الصراع الأيديولوجي، وثالثها القدرة على ضبط سلوك الحلفاء والوكلاء من الطرفين لمنع الانجرار إلى تصعيد غير مرغوب. وفي غياب هذه الشروط تتحول إدارة الصراع إلى إدارة للأزمات المتتالية دون أفق لحل، وتصبح الأساطيل المنتشرة لا أداة ردع بل مواقع محتملة لشرارة لا يمكن التنبؤ بها ولا السيطرة على تداعياتها.