الرأي

آفة العصر: بين ضجيج السفهاء وصحيح الفقهاء

عبدالله علي بانخر


تحول الفضاء الرقمي في زمننا هذا من وسيلة لتبادل المعرفة إلى ما يشبه سيركا مفتوحا لا تتوقف عروضه، أو حراجا صاخبا تعرض فيه الأفكار والقيم لمن يدفع أكثر من وقته واهتمامه. وفي هذا الخضم، برزت معضلة كبرى تتمثل في غلبة ضجيج السفهاء على «صحيح الفقهاء» والعلماء الراسخين، مما أدى إلى تيه في بوصلة الوعي المجتمعي، حيث اختلطت التفاهة بالقيم، والجهل المتجرئ بالعلم المتخصص.

طغيان السفاهة وتجارة العبث

إن الخطر الذي يبثه سفهاء المنصات لا يقتصر على رداءة ما يقدمونه، بل في قدرتهم على فرض الابتذال كواقع مقبول عبر ضجيجهم المستمر. هؤلاء حولوا السلوكيات الهابطة إلى نماذج نجاح وهمية، فأصبح المقياس هو عدد المشاهدات لا قيمة ما يقال. إنهم يستهدفون العاطفة الخام، ويقتاتون على إثارة الجرأة في غير موضعها، مما يفرز جيلا يرى في تحطيم الوقار وقواعد المجتمع أقصر الطرق للوجاهة والثراء.

محاصرة العلم وتجرؤ مدعي المعرفة

وفي المقابل، نجد جفوة غريبة عن «صحيح الفقهاء» والمتخصصين الذين أفنوا أعمارهم في التحصيل والبحث والتدقيق. هؤلاء الراسخون يجدون أصواتهم الهادئة والمبنية على الدليل والمنهج محاصرة بضجيج مدعي العلم الذين نصبوا أنفسهم مرجعيات بغير مرجعية. إن الجرأة التي يبديها هؤلاء الجهلة في تقرير المسائل المعقدة بغير تخصص لا تضلل العامة فحسب، بل تحجب شمس الفقهاء الحقيقيين الذين يزنون الكلمة بميزان الورع والعقل.

وحدة الهدف وخطورة غواية الجماهير

يلتقي السفيه ومدعي العلم في نقطة واحدة وهي «غواية الجماهير»؛ فالسفيه يسعى لاختطاف انتباه الغوغاء بابتذاله، ومدعي العلم ينشد حشد الأتباع باللعب على العواطف وتسطيح المعرفة وتقديم الإثارة على الحقيقة. وكلاهما يساهم في تغييب المرجعيات الحقيقية؛ فبدلا من الرجوع إلى أهل الاختصاص في شؤون الدنيا والدين، بات العوام يستقون مفاهيمهم من هؤلاء الذين يفتقدون لأبسط قواعد الانضباط الأخلاقي والمنهج العلمي.

واجب الوقت وحماية المجتمع

إن مجتمعنا اليوم مطالب بوعي نقدي يفرق بين الغث والسمين. فالحذر من السفهاء ضرورة لحماية الذوق العام، والعودة إلى «صحيح الفقهاء» والعلماء المتخصصين واجبة لحفظ بيضة الدين وصيانة العقول من الانحراف. إن تجاهل السفهاء ومدعي العلم هو السلاح الأمضى لموت محتواهم، وإن الالتفاف حول أهل العلم الحقيقيين هو الحصن المنيع ضد فوضى الفكر الرقمي المعاصر.